الصفحة 775 من 3036

كانت الساعة قد ناهزت الثالثة فجرا ، ومضيت أسحب حقيبتي ، واثقا من أن أحبتي سيكونون في اللقاء ، وتقدمت من خط المستقبلين ، وأجلتُ العين ولم أر وجها أعرفه ، في طرفة تهيأ لي أنهم انصرفوا ، إذ كان واضحا أنه قد أخّرني انشغالي بأمر الصبية مع الشرطية وأنني كنت آخر واحد من فوجي يُنهي إجراءات الدخول ، وشرعت بشيء من الألم في إسدال أجنحة الحبور كي أتدبر أمري ، هل سأهتف أم سأمضي إلى ركن وأنتظر طلوع الصباح.

لم يكد الانكسار يتسرب إلى نفسي حتى شدّني من هناك وجه"قاسم"، الوجه الحبيب الذي لا يسعك حيال انفلاق بسمته إلا أن تهش وتبتهج وتتجرد من كل عناء. كان إلى جواره فتى، على هيئة تبدي الأدب والترحيب، سأعرف الغداة أنه ابنه الشبل"سعد"، وضمني قاسم بحرارة مليا ، ورسم على وجهه ابتسامة كبيرة ظلت مستقرة على شفتيه حينا ، وراح يقول بصوته الذي تتحول نبراته في مواقف الإبانة إلى رنين: هذا أسعد الأيام أن نراك في اسطنبول.. وسرت إلي من تلك الضمة حرارة الأخوة الروحية التي لا تضاهيها محبة ، ووجدتني أشفق كثيرا عليه من هذا العناء ، فقد بدت لي على ملامحه آثار السهر، وقلت في نفسي لا يستطيع أن يرابط إلى هذه الساعة المتأخرة من الليل إلا عاشق للمبادئ القدسية ، وسأتبين بعدها أن مهمة الاستقبال تلك كانت بعض واجباته ، فلقد رأيته الغداة ، يبكر لإحضار"عويس"من المطار قبل صلاة الفجر.

في مزار أبي أيوب الأنصاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت