الصفحة 776 من 3036

ومن الغد تحركت بنا السيارة وحملتنا إلى مركز النور ، جلسنا ساعة وتعرفنا على أحبة ، ثم خرجوا بنا نرى مشاهد الحاظرة اسطنبول. سرنا على أرجلنا مسافة نتحسس المارة والعمران من حولنا ، لا شيء يصدم الرؤية ، لا شيء يثير الحساسية . اسطنبول استقر لها في أذهاننا رسم بشع لكننا ها نحن أولاء نراها على كامل العصمة والاتزان. لم أكن أتصورها إلا أنفاقا مظلمة بالمعصية وأوكارا ومسارب تختنق بنار الحشيش والأفيون ، ومعارض لهو تسكر بمواويل العري وتتقوت بأطباق الخنا الخبيث..

تلك هي صورة اسطنبول كما أوعزت بها إلينا نشرات الدعاية السياحية الغربية ، وكما رسختها في نفوسنا قصص المغامرة والجرائم التي جعلت منها مدينة كونية مسكونة بعفاريت الإنس من كل قبيل.

اسطنبول سيدة تحني رأسها حين تمر بك ، يشغلها شأنها عن أن تلتفت إلى العابرين ، شمسها وضاحة وقلبها مليء بالآمال..

وطرقنا ساحة هادئة تحتشد فوقها الوداعة.. حمائم تتساحب أمامنا ، وحيالها المدخل الأثري الشاهق . وسمعتهم يقولون لي: هذا أبو أيوب الأنصاري. ومرة أخرى وجدت الواقع يباين الخيال.

كنت أتصور ضريح هذا الصحابي المبجل يقوم في ضاحية اسطنبول ، على مبعدة من أسوارها ، لكنني ها أنا ذا أجده قد اندمج في عمرانها وأضحى جزءا من قلبها. بل وأضحى السور نفسه ، كما سأشاهد ذلك لاحقا ، طرفا عضويا من المدينة.

ترى أي الأركان كان النورسي يأوي إليه وهو يتعبد ويستمطر على هذا الصعيد القصي دافق الرحمات؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت