الصفحة 774 من 3036

طريق الله قويم ، لكنه غير مفروش بالزهر ، إذ له ضريبة باهضة لابد منها ، حتى يفضي بسالكه إلى رياض الفردوس. لست ممن يتحمسون للرحلة ، لكنني هذه المرة عزمت، لاسيما وقد رأيتني أتأخر عن تلبية الداعي - وأنعِم به من داعٍ - مرات ثلاث بالتمام. والواقع أنني لم أكن في سائرها مستهينا ولا مترددا ، كلا ، لقد كان يعيقني دائما عائق قاهر ، وهذه المرة أحسست أن القصد سيتحقق ، فقد كانت ابنتي شديدة الحرص على أن أسافر وأن أحضر حلقة"النورسي"في حمى بيئته الأم، لقد استبانت طبيعة العلاقة التي ربطتني بالأستاذ إحسان قاسم دلال رسائل النور المخلص ، فواصلت سعيها أياما وأياما وأدارت لي عملية الحجز والتأشيرة بإحكام وضبطت الترتيبات وجعلتني أمام أمر واقع.

في إقلاعي الثاني جاورتني صبية في طريقها إلى"تيرانا"، قالت إن لها أختا مع زوجها هناك، وسيرسلانها إلى السعودية لدراسة الشريعة ، لازمتني منذ المطار ، ورأيتها تنقلب مثل الليمة اصفرارا ، ثم سرعان ما تفاقم صداعها ، كان المسافرون ينامون بمن فيهم المضيف ، وكان علي أن أسعفها بالنشافات والمناديل الورقية ، فقد أفرغتْ ما في جوفها وتمددت في حال من يستسلم للموت. وفي مطار اسطنبول غادرتها وهي مسنتدة إلى مقعد وإحدى الشرطيات تأخذ مكاني في إسعافها ، هي قاصر بعد ، تحمل ترخيصا من أبيها لتسافر وحيدة ، ما الذي جعلها تأنس إليّ من دون المسافرين ؟ ألأنها رأتني أجلس في مصلى المطار أنتظر الميعاد ؟ أم أن ملامح الأب والمدرس التي تعكسها هيئتي هي التي جذبتها إلي ؟ حين كنت أسعفها حمدت الله في نفسي أن تكون كل كلفة الرحلة هي ذلك الشيء القليل من العناء الذي حملتنيه صبية في عمر ابنتي يؤذيها السفر بالجو فتقيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت