ومن هذا الأصل أن استحضار حال المسلمين في العصر الحاضر مع عدوهم. فبخلاف العصور الأولى من تاريخ الإسلام فإن شوكة المسلمين في هذا العصر قد ذبلت وقواهم قد هزلت، وأعداؤهم قد قويت وكثرت، وهي تتربص بهم من كل جانب، ومعاول الهدم لا تهدأ. فمن عرف هذا واستحضره علم أن أوجب الواجبات هو حفظ دين الأمة وحماية كيانها ورد شبهات أعدائها والتصدي للطعنات الآتية من كل جهة، وليس تتبع عورات المسلمين والإنكار على المقصرين والمخالفين في الفروع والجزئيات، والحط على من يتساهل منهم في ذلك، فكيف والعدو واقف على الثغور ويغير المرة بعد المرة. ومثل من يصرف جهده لمثل هذا- ولا هم له الا الفروع والجزئيات التي يختلف فيها الناس بين متساهل ومتحر للاحتياط-مثل من كان مع صديق له في بيت يأمره ويعظه، فأغار عليهما عدو لهما يريد اقتحام البيت عليهما، فجعل الصديق يتأهب للدفاع ومكث هو يأمره بوجوب تحسين مظهره وتجميل ثيابه، فشغله حتى اقتحم العدو وأجهز عليهما. وإن الاشتغال بالأمور المختلف فيها بين المسلمين في هذا العصر- مع هذا الخطر الداهم- عده سعيد النورسي مرضا اجتماعيا خطيرا، وحالة اجتماعية مؤسفة يدمى لها القلب فأطلق صيحة في أهل الإسلام قائلا: (( فيا معشر المؤمنين أتدرون كم يبلغ عدد عشائر الأعداء المتأهبين للإغارة على عشيرة الإيمان؟ انهم يزيدون على المائة وهم يحيطون بالإسلام والمسلمين كالحلقات المتداخلة. فبينما ينبغي أن يتكاتف المسلمون لصد عدوان واحد من أولئك، يعاند كل واحد وينحاز جانبا، سائرا وفق أغراضه الشخصية كأنه يمهد السبيل لفتح الأبواب أمام أولئك الأعداء ليدخلوا حرم الإسلام الآمن، فهل يليق هذا بأمة الإسلام… فأفق أيها المسلم واعلم أن زعزعة قلعة الإسلام الحصينة بحجج تافهة و أسباب واهية خلاف للوجدان الحي وأي خلاف، ومناف لمصلحة الإسلام كليا.. فانتبه ) ) (1) .
(1) - (( المكتوبات ) )ص 349.