ومعنى ذلك مراعاة أحوال أهل الإسلام في هذا الزمان الذي لم يعرف المسلمون من قبل زمنا مثله، من جهة قوة الباطل وغلبة الشر والفساد وإغراء الشهوات، وغير ذلك من أحوال هذا العصر التي تجعل التمسك بالدين والتزام التقوى والصلاح كأنما يحاول المرء نقل جبل أو يعاكس تيارا قويا. فليس من العقل أخذ عامة المسلمين بالعزيمة والتشديد عليهم، خاصة فيما هو مختلف فيه، مثل الإنكار الشديد على من يكشف الوجه والكفين من النساء وتفسيق من يجوز ذلك من العلماء، مع أن الغالب على نساء المسلمين التهتك إلي درجة البهيمية، فكيف يشدد في الإنكار على من خالفت هذا التيار القوي الغالب وسارت على مذهب معروف عند العلماء. ومن ذلك أن العصر الحاضر ضاعت فيه القضايا الكبرى والمصالح الضرورية التي جاء الشرع بحفظها، فهل يصح صرف الجهد إلي القضايا الجزئية التحسينية والتكميلية وقد ضاعت الأصول الضرورية. وهذا ما يشير إليه سعيد النورسي بقوله: (( ففي هذا الوقت الذي يتسم بالدمار الأخلاقي والروحي وبإثارة هوى النفس الأمارة وبإطلاق الشهوات من عقالها، تصبح التقوى أساسا عظيما جدا بل ركيزة الأسس، وتكسب أفضلية عظيمة حيث أنها دفع للمفاسد وترك للكبائر، إذ أن درء المفاسد أولى من جلب المنافع قاعدة مطردة في كل وقت. وحيث إن التيارات المدمرة أخذت تتفاقم في هذا الوقت… فالذي يؤدي الفرائض ولا يرتكب الكبائر ينجو بإذن الله، إذ التوفيق إلي عمل صالح مع هذه الكبائر المحيطة أمر نادر جدا. إن عملا صالحا، وإن كان قليلا، يغدو في حكم الكثير ضمن هذه الشرائط الثقيلة والظروف العصيبة ) ) (1) .
(1) - (( سيرة ذاتية ) )ص 314.