الصفحة 74 من 3036

ومن النظر الشمولي والمنهج المستوعب الذي أدركه بديع الزمان النورسي، الموازنة بين المصالح والمفاسد، وبين المصالح المتفاوتة بعضها ببعض، والمفاسد المتفاوتة بعضها ببعض. فالمصالح ليست كلها على وزان واحد، والمفاسد ليست كلها بدرجة واحدة من الشر، وإنما بعض الشر أهون من بعض. والنظر السليم يقوم على قاعدة تقديم أعظم المصلحتين عند التعارض، وتقديم أهون الشرين، وارتكاب الشر لدفع شر أكبر منه إذا لم يمكن دفعه بالخير. وإن هذا المنهج هو عين الفقه، وهو لب الاجتهاد وصلبه، وقد تولى بيانه المحققون من علماء الإسلام، وصاغوه في قواعد عامة، وخصوه بمباحث في تصنيفاتهم، ومنهم من أفرده بالتأليف مثل عز الدين بن عبد السلام في كتابه القيم"قواعد الأحكام في مصالح الأنام"وكان مما بين من ذلك أن المصالح الخالصة عزيرة الوجود، والمفاسد الخالصة قليلة الوقوع، وإنما الغالب اختلاط المصالح والمفاسد . ونص كذلك على تفاوت المصالح والمفاسد. ومن الوقائع التي تدل على رسوخ هذا الأصل عند النورسي ووضوحه في ذهنه، مشاركته رحمه الله في انتخابات عام 1957 م وتصويته للحزب الديمقراطي. يقول أورخان محمد علي:"ومع أن المسلمين لم يكونوا ينظرون إلى الحزب الديمقراطي كحزب إسلامي (رغم وجود جناح إسلامي فيه) إلا أن توليه الحكم منذ سنة 1950 وما أشاعه من جو الحرية في البلد، وإرجاع الأذان الشرعي، والقيام بتدريس الدين الإسلامي في المدارس ( وكان قبل ذلك ممنوعا في عهد حزب الشعب) …إنهاء العداوة الوحشية للإسلام…ومع أن الأستاذ النورسي لم يدخل ساحة السياسة إلا أنه قرر الاشتراك في هذه الانتخابات وإعطاء صوته للحزب الديمقراطي تنفيذا للقاعدة الفقهية"درء مفسدة أولى من جلب المنفعة"…" (1)

5-اعتبار أحوال الزمن المعاصر واستحضار واقع الحال:

(1) -"سعيد النورسي: رجل القدر في حياة أمة"ص 266 - 267 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت