الصفحة 754 من 3036

بعد قضاء الأستاذ النورسي ما يقارب ثلاثة أشهر في استانبول، حنّ الأستاذ إلى زيارة المدن التي قضى فيها فترات لا يمكن نسيانها من حياته.

فزار"اميرداغ"ثم توجه إلى"أسكي شهر"ومنها إلى"إسپارطة". ومنها توجّه مع رهط من طلابه إلى مدينة الذكريات"بارلا".. المدينة التي شهدت أول انبثاق لحركة النور ولرسائل النور.. ومنها انتشرت إلى الأرجاء"الكلمات"و"المكتوبات"و"اللمعات"التي تمثل أنوار هداية القرآن الحكيم.. فـ"بارلا"هي المركز الأول لمدرسة رسائل النور. المدينة التي سيق إليها منفيا قبل خمس وعشرين سنة، فبارك الله له في أيام النفي، وجعل تلك الأيام من أعز الأيام على قلبه، وجعل ذكريات هذه البلدة من احب الذكريات إلى نفسه.

وها هو يعود إليها، في يوم رائق من أيام الربيع ، حاملًا على كاهله ثقل تلك السنين الحافلة بالأحداث والمواقف والابتلاءات.

ويسمع أهل البلدة بقدوم الأستاذ، فيخرجون رجالًا ونساءً، وأطفالًا وشبابًا لرؤيته. ويقفز الأطفال الصغار وهم يرددون:

جاء الشيخ.. جاء الشيخ!

انهم لم يروا هذا الشيخ الوقور، ولكنهم سمعوا عنه من آبائهم وأمهاتهم.

وبينما كان الأستاذ يتقدم نحو البيت الذي بقي فيه ثماني سنوات، إلى البيت الذي كان أول مدرسة نورية، مرّ من أمام بيت تلميذه القديم"مصطفى چاويش" (1) وهو النجار الذي عمل له الغرفة غير المسقّفة بين أغصان الشجرة التي كان يقضي فيها ساعات العبادة والتأمل.

مرّ أمام دار تلميذه ورأى القفل الكبير على باب الدار. كان تلميذه القديم الوفي قد توفي سنة 1937، بينما كان الأستاذ يعيش في منفاه في"قسطموني". مات هذا الرجل ولذلك لم يتيسر له لقاؤه بعد خروجه من بارلا. ولم يشعر إلا والدموع تتساقط من عينيه وتبلل خده.

(1) اللمعات/76

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت