وأخيرًا وصل إلى بيته السابق، إلى مدرسته الأولى حيث كانت شجرته الحبيبة تنتصب أمامه وكأنها - هي الأخرى - ترحب به.. جاشت في نفسه العواطف وطلب من طلابه ومن الأهالي ان يتركوه وحده.
ثم ذهب إلى تلك الشجرة التي قضى معها اكثر من ثماني سنوات احتضنها وأجهش ببكاء طويل.
كانت هذه الشجرة قطعة من حياته، ومن ذكرياته. كم من ليال قضاها بين أغصانها يتهجد ويذكر الله! كم من ساعات قضاها يؤلف رسائل النور ويسمع حفيف أغصانها وأوراقها وتغريد الطيور عليها. كم من ليلة من ليالي الشتاء الطويلة الحالكة أرق في غرفته، فلم يكُن له أنيس في وحدته غير صوت هذه الشجرة تعصف بها الرياح، أو يسمع صوت قطرات الأمطار على أوراقها. لقد كانت له أنسًا في وحدته، وسلوة في وحشته، وصديقًا في غربته.
وها هو الآن يرجع إليها بعد عشرين عامًا يتحسسها، ويريد أن يضمها إلى صدره ولا يتمالك نفسه من البكاء عند لقائها.
بعد ذلك صعد إلى غرفته، واختلى بنفسه هناك مدة ساعتين تقريبًا. كان يبكي وهو يستعيد ذكريات أيامه الطويلة التي قضاها هنا، وكان الناس والطلاب المحيطون بالبيت يسمعون نشيج الشيخ فتدمع اعينهم كذلك.