هذا هو جانب إصلاح الظاهر ، لكن الإسلام لا يقف في توجيهاته عند إصلاح الظاهر فقط ، وإنما يتناول بالتربية والتهذيب نفس الإنسان من الداخل عن طريق الإحساس المستمر برقابة الله له ومعرفته لسره ونجواه، وهذا الإحساس بالحضور الإلهي حين يصبغ الشعور والفكر، ويسيطر على التصرفات والسلوكيات يجعل المرء يعيش في جو من المراقبة الدائمة التي تحميه من ضعف نفسه وتحميه من الإغراءات الخارجية ، كما تحميه من المجتمع حوله، ومن شرور كثيرة تموت في مهدها بتأثير العقيدة الحية التي تذكر الإنسان دائمًا وتغرس في حسه وضميره بأن الله يراه.
ويستمر هذا الشعور داخل النفس ، ويبقى بتأثير الاستمرار في أداء الفرائض التي تزكي النفس وتطهرها بشكل دائم، وتجعلها في حالة من الترقي والصعود المستمر ، فلا تنمو لبواعث الشر جذور، وبذلك يستقيم الفرد على منهج دينه ، وتسلم شخصيته من شرور الانفصام والازدواجية التي تصيب الفرد ، فتنزع منه كل إحساس بأدنى مسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين .
وما يصلح به الإنسان وهو فرد ، هو ما يصلح به المجتمع أو الأمة، والقرآن الكريم لم يكتف في تربيته للإنسان بمجرد الترغيب في الخير بمنح الثواب عليه ، أو الترهيب من الشرور بوضع العقاب على فعلها ، وإنما عرض مع الترغيب والترهيب الآثار المدمرة لغياب القيم الإسلامية عن المجتمع ، وما لهذا الغياب من أثر في الإسراع بالسقوط والتفكك الحضاري للأمة ، وساق لذلك نماذج كي تبقى حية في الذهن والوجدان .
ومن هنا كان حديث القرآن عن الأمم السابقة ، وما حل بها من العقاب ، وقد تعرض من خلال نصوصه لحضارات بادت ، ووضح من خلال عرضه أسباب هلاكها ، وعرض أنواع الجراثيم التي تبيد الأمم والحضارات وتؤدي بها إلى الزوال والدمار ، حتى تتجنب أمتنا مسالكها، وحذر من السقوط في أسبابها ، وسد أمامها كل الطرق والأبواب والثغرات .