ومن هنا تفشل هذه القوانين في التعامل مع الكيان الإنساني ككل، وتبقى الحياة بحاجة ماسة إلى تشريع يتناول الظاهر والباطن والسطح والأعماق ، يتناول الظاهر بفرض الروادع عن طريق وسائل العقاب القانونية ، ويتناول الباطن بالإصلاح والتهذيب والتربية ، ويغرس في القلب والوجدان إحساسًا فياضًا برقابة المشرع .
وهذا كله لا يتأتى بغير الدين ، لأن عقيدة المسلم تفرض عليه بحكم الإيمان والإحسان رقابة تجعل المرء يفكر ويتصرف وكأنه"يرى الله"، فإذا قصرت أدوات البصر والإدراك الحسي لديه عن حقيقة الرؤية ، فهو يعلم بيقين دينه أن الله تعالى يراه ويسمعه ويرقبه ويطلع منه على سره ونجواه وظاهره وباطنه ، وهذا هو الضبط الإرادي الذي تنفرد به شريعة الإسلام وتمتاز ، فهي تزاوج بين رقابة الظاهر بتقرير الحدود التي تقتلع جذور الإجرام من النفس البشرية ، وتحقق الردع لكل من تسول له نفسه العدوان على الفرد والمجتمع ، وبذلك تجفف منابع أمهات الجرائم التي يتولد منها ويتفرع عنها ترويع الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، كما أنها لا تكتفي بذلك فقط في معالجة ظاهر الحياة ، وإنما تعطي الحاكم المسلم البصير بأحكام دينه والحريص على حماية أمته مساحة واسعة من التعازير، يستطيع بها أن يعالج كل جنحة أو مخالفة بما يناسبها من العقاب بعد النظر فيما يترتب عليها من الفساد أو الضرر .