الصفحة 671 من 3036

كما أنها تخلق في الإنسان بعد الممارسة، ما يسمى بالضبط الإرادي لدى الفرد والمجتمع، وهذا ما تقصر دونه كل القوانين والتشريعات الأرضية.

فالقوانين والتشريعات الأرضية تحاول حماية الفرد والمجتمع عن طريق الضبط القهري الذي يتولد عادة عن الخوف من العقاب والمؤاخذة، فإذا أمن الإنسان العقاب واستشعر أنه في مأمن من المؤاخذة فإنه قد يفعل ما يحلو له.

والقوانين تحمي الحق الموجود، ولكنها تعجز عن إيجاد الحق المعدوم بحكم التقادم أو النسيان مثلًا. وهي بحكم بشريتها لا تستطيع أن تتعامل إلا مع بعض مظاهر الجريمة دون أن تتسرب إلى داخل النفس بالعلاج الناجع، لأن القانون يتعامل مع الظواهر الخارجية للإنسان دون أن يتدخل في بواطنه بحسم الدوافع، وتوجيهها الوجهة النافعة.

كما أنها تهتم بمراقبة الأعراض دون الأمراض، فلا تنقطع لها جذور، بل تكثر وتزداد بمختلف الدوافع والأشكال ما دام أصلها يستوطن النفس ويستقر في داخلها. وهكذا تفوت عليها الحيل الخادعة ، وتمر أغلب أعمال العدوان والظلم بغير عقاب، لأن صاحبها استقام بشكله الظاهر وسلوكه الخارجي مع حرفية القانون ثم التف وتلوَّى حولها بالحيل الخادعة، حتى وصل إلى غايته الشريرة، وكان بمنأى عن الحساب والعقاب.

والقوانين الوضعية حين تتعامل مع الإنسان تقف منه عند حدود إصلاح المظهر ، ولا تتوجه أو تتدخل لإصلاح الأعماق والوجدان . فهي مثلًا لا تعاقب على النوايا السيئة ، ما دامت الأفعال مشروعة في مظهرها الخارجي . وهي نظرًا لقصور أدوات الرقابة فيها لا تمس من الحياة إلا قشرتها ، ولا تعالج إلا جنبًا منها ، ومن ثم يستشري الفساد والشر فيما وراء القشرة حتى يعم الحياة فيعديها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت