هذه المصابيح لا تبتسم لوجه الإنسان ، بل تستهزئ به ، وتستخف من ضحكاته التي يطلقها ببلاهة وهو متمرغ في أوحال أوضاع مؤلمة مبكية!
"فكل ذي حياة في نظر تلاميذك ، مسكين مبتلى بمصائب ناجمة من هجوم الظلمة، والدنيا مأتم عمومي والأصوات التي تنطلق منها نعيات الموت ، وأنّات الآلام ونياحات اليتامى" (1) .
"إن الذي يتلقى الدرس منك ويسترشد بهديك يصبح فرعونًا طاغية، ولكنه فرعون ذليل ، إذ يعبد أخس الأشياء ويتخذ كل شيء ينتفع منه ربًا له."
وتلميذك هذا متمرد أيضًا ولكنه متمرد مسكين إذ لأجل لذة تافهة يُقَبِّل قدم الشيطان ولأجل منفعة خسيسة يرض بمنتهى الذل والهوان وهو جبار ولكنه جبار عاجز في ذاته لأنه"لا يجد مرتكزًا في قلبه يأوي إليه. إن غاية ما يصبو إليه تلميذك وذروة همته: تطمين رغبات النفس وإشباع هواها." (2)
هكذا يلقي بديع الزمان ضوء فكره الثاقب على أوروبا وتلاميذها، ممن يمموا وجوههم شطرها، والتوت أعناقهم نحوها، فيظهر عوارهم، ويكشف خباياهم، ويفضح سريرتهم، ويحبط فكرتهم، ويقتل بحرارة منطقه وقوة حجته غرورهم وادعاءهم، ثم يبايع تلميذ القرآن في مقابل هؤلاء خليفة في الأرض، يقيم العدل، وينصر الحق، ويرقى الوجود، ويحيا لربه.
دور القيم الإسلامية في حماية المجتمع من التحلل الحضاري
وأثر النورسي في إحياء هذا الدور
القيم الإسلامية بجانب كونها أوامر إلهية يجب الامتثال لها، والحفاظ عليها، إلا أنها تؤدي في الوقت نفسه وظيفة اجتماعية هامة، فهي بمثابة جهاز المناعة المكتسبة الذي يحمي جسد الأمة من التآكل، ويحفظ الكيان العام من الجراثيم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تنخر في عظام المجتمع، وتعرضه لعمليات التفكك الحضاري والتحلل العام، ومن ثم يكون الضياع والفناء والهلاك.
(1) اللمعات ص 180-181
(2) اللمعات ص 181