كما يرون فيهم عقبة في سبيل تقدم الأمة، ونمو المجتمع، لأنهم لا يحاولون إعمال العقل في الوصول للأسباب الحقيقية لأية ظاهرة، وإنما يسعون بكل ما يملكون من خيال واسع لإيجاد تعليل وهمي غير واقعي، يعلقون عليه الأسباب بوعود وهمية في عالم وهمي عبر غيبيات موهومة." (1) "
هذا مجمل مختصر لما يقوله العلمانيون ويرددونه دائمًا في كل مناسبة وأحيانًا بغير مناسبة . فهل الأمر كذلك فعلا؟ أم أن هناك لبسًا وخلطًا في الفهم يصل أحيانا إلى مستوى التدليس والخيانة للفكر والعقل السليم .
ونحن لا نتهم هؤلاء بالمؤامرة، فالمؤامرة تكون حيث يكون الخفاء والسرية والتآمر تحت جنح الظلام، لكن هؤلاء يعلنون عن أنفسهم في وضوح يشهده كل ذي عينين ، ويسمع به كل ذي أذنين .
وهم يشكلون فصيلًا كبيرًا من المثقفين والكتاب، ويشغلون بفكرهم هذا مساحة واسعة من أجهزة الإعلام، وامتلأت بكتاباتهم صحف ومجلات متعددة. غير أننا نلحظ نوعًا من إفساح المجال أكثر لعدد من هؤلاء بحجة محاربة التطرف وحصار ظاهرة التشدد والعنف في بعض المجتمعات.
كما نلحظ أن هؤلاء تصيبهم حالة من الهلع الفكري، والصرع العقلي، كلما تطرق الحديث إلى الإسلام بصيغته الربانية الشاملة، وكلما تطرق الحديث أيضًا إلى البعد الغيبي وما له من تأثير في تقويم الاعوجاج، ومقاومة الانحراف، واعتدال الحياة، وهي ظاهرة أقرب إلى المرض منها إلى العافية النفسية والصحة العقلية، مما يجعل أصحابها يخرجون عن مألوف القيم المعروفة في أدب الحديث والحوار العلمي، فيستعملونه في وصف خصومهم عبارات من قاموس اللافتات الجاهزة التي تستعمل عادة في إسكات الخصوم، واستعداء السلطة عليهم، وإرعابهم بتهم التطرف والأصولية والإرهاب.
(1) راجع فصل حماية الذات بين حراسة الثقافة وقيود العقل ، ص29 من كتاب دعوة إلى التأمل للدكتور إبراهيم أبو محمد .