كثيرون هم أولئك الذين يتنادون بضرورة الخروج من مأزق التخلف، وكثيرون هم أولئك الذين يطالبوننا بضرورة الالتحاق بذيول مدنية العصر والانسحاق في أشيائها والعبّ من منابعها واللهث وراء كل جديد يظهر هناك .
وغريب أمر هؤلاء الذين التوت أعناقهم نحو الغرب، فوقعوا في خطأ التعميم بين الشيء والفكرة ، ويريدون منا أن نأخذ من أوروبا كل ما يصدر عنها، وكل ما ينتج فيها ، وأن نربط وجودنا بوجودهم، وأن نحيا كحياتهم، وأن نسلك مسلكهم، حتى لو دخلوا جحر ضب كما جاء في الحديث الشريف.
وهذه الفئة ترى أنه من الضروري أن ننفتح على العالم بكل ما فيه من تيارات ومذاهب، لأنه وفي ظل الظروف الحاضرة لم تعد العزلة ممكنة خصوصًا والعالم قد أضحى قرية صغيرة، ولم يعد من الممكن حصر الأفكار في دائرة محدودة، أو عزل التيارات في بيئة دون بيئة، وبصرف النظر عن صحة أو خطأ هذه التيارات، وبصرف النظر أيضًا عن مدى توافقها أو تناقضها مع بيئتنا وديننا، المهم أنها إفرازات لحضارة سائدة سيطرت على البر والبحر والفضاء ، ونحن على الأقل نعيش عالة على وسائلها ونستخدم الكثير من أدواتها، ذلك فضلًا عن وقوعنا تحت دائرة نفوذها وسيطرتها، وبالتالي فلا يمكن الفصل بين الشيء والفكرة لأن الآلة حين نستوردها تجلب بالضرورة أفكار صانعيها وتحمل طابعهم، وما الأفكار إلا إفرازات مادية كيميائية"في نظرهم"لما يتناوله الإنسان في حياته اليومية من طعام وشراب، ولم يتوقف الأمر في عرض وجهة النظر هذه عند ذلك الطرح الهادئ ، وإنما يتخطاه ويتعداه إلى درجة من التشنج الحاد يتهمون فيها الخصوم والمخالفين لهم في الرأي بأنهم ظلاميون ورجعيون، ومتخلفون، ومتطرفون وإرهابيون، يتوجون من أنفسهم حراسًا على الثقافة وأوصياء على العقل يضعون عليه القيود ويكبلونه بأغلال الماضي البعيد .