فالبدء منه والمنتهى إليه ، وبين البدء والمنتهى يبدو الوجود بمظهريه المادي والمعنوي وكأنهما وجهان لنعمة واحدة ، هي نعمة الله بإيجاد الخلق ، ونعمة الله الرحمن بإنزال الكتاب الذي كانت منه وإليه ترجع شريعته ، باعتباره الوعاء الذي له الإحاطة والاحتواء:
{ الرحمن ، علم القرآن ، خلق الإنسان ، علمه البيان ، الشمس والقمر بحسبان ، والنجم والشجر يسجدان ، والسماء رفعها ووضع الميزان ، ألا تطغوا في الميزان ، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ، والأرض وضعها للأنام ، فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام ، والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان (1) }
وقال تعالى:
{ الله الذي خلق السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر ، يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون } (2)
فهل يبقى بعد هذا الربط الرائع والمزج الذي لا يمكن أن ينفصل أبدًا هل يبقى بعد ذلك تعلّة لمتعلل؟ وهل يستطيع عقل محترم أن يفصل تحت أي حجة مدعاة بين هذا الكون وبين إرادة مدبره ومكونه والقائم والقيوم على كل أمرٍ فيه؟ ومن هنا يرى الباحث النزيه أن كل محاولة تقطع الظواهر عن أسبابها الأصلية، وتفصل بين الدين والعقل ، وتتناول علوم الكون وعلوم الحياة مبتورة عن أصلها التي منه صدرت ، وعن إرادته تكونت ، وبعلمه وحكمته أخذت شكلها ومظهرها يرى الباحث المتجرد أن هذه المحاولات إنما هي تزييف للحقائق العلمية، ومجافاة للواقع، وإنكار لا مبرر له، وخيانة للضمير الإنساني، وتضليل للعقل، وتدليس وتزوير لشهادة تنطق بها ذرات الكيمياء ومظاهر الطبيعة ، ويهتف بها لسان الوجود .
(1) الرحمن 1-13
(2) الأعراف 54