إذا كانت الحياة بمادياتها والوجود في شكله المادي والكون في مظاهره المحسوسة تمثل عالم الخلق ، فإن نصوص الشريعة تمثل عالم الأمر التكليفي. وإذا كانت الحياة والكون يمثلان جانب المادة في هذا الوجود ، فإنهما في الوقت ذاته صادران عن عالم الأمر الإلهي الذي به ومنه برز الوجود من العدم، والله تعالى في عقيدة المسلمين الصحيحة له الخلق والأمر ، فكلاهما مظهران من مظاهر تجليات رحمته في الخلق والإيجاد ، ودليلان من دلائل وحدانيته التي تفرد بها سبحانه في السموات والأرض. ومن هنا تطرد من الذهن كل سخافة تحاول فصل الوجود شطرين ، وتقسيمه إلى عالمين: أحدهما لله والآخر لقيصر كما يدعي الآخرون ويظنون، فلا يمكن الفصل بين عالمين كلاهما من أمر الله: عالم الخلق الذي جاء إلى الوجود بالأمر كن، وعالم الأمر التكليفي الذي أراد الله به أن يكرم الإنسان، وأن يحترم إرادته في الحرية والاختيار ، وأن يباهي به الملائكة عندما يجيء العبد إليه طائعًا مختارًا ، وعندما يمارس إرادته الممنوحة له من الله أصلًا في الاختيار الحر الصحيح حين يختار جانب العبودية ، ليتحول بها وعن طريقها إلى سيد في الوجود، وهذا الربط بين هذين العالمين ليس نتاج فكر صحيح فقط، إنما هو إقرار بحقيقة ، واعتراف بواقع يشهد به كل موجود في هذا الوجود، ويصدق على تلك الشهادة منطق الوحي المعصوم وهو يجمع في بيان معجز متألّق بين نقطة البدء والمنتهى:
{ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ، يغشى الليل النهار يطلبه حثيثًا ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين } (1)
(1) الأعراف 54