الصفحة 660 من 3036

وهكذا يلتمس النورسي من أنوار التوحيد خيوطًا مضيئة ، تكشف طريق الحق وتيسر سبل الهداية للسالكين ، وترسم أمام المربين ملامح منهج فريد في التربية والتعليم ، يمزج بين جمال الصنعة ودقة الصانع ، ويضع القسمات المشرقة لنوع من التربية لا يترك مجالًا من المجالات إلا ويوظف كل ما فيه لخدمة خط التوحيد كأساس ومنطلق للتربية والتعليم وصياغة الإنسان . وتلك نقلة فكرية وحضارية في آن معًا ، تربط في تناسق فريد من المنظومة الكونية والمنظومة الإنسانية وبين مفرداتها لتبدو الذات أو الأنا ضئيلة ضعيفة عاجزة تسلم لخالقها وصانعها ومبدعها ، فتسلم بالركون إليه والاستسلام في كنفه من سلبيات التمركز حول الذات، والتمركز حول الهوية، وبذلك تسلم في عقلها ووجدانها من الشذوذ في الفكر والعلة في السلوك .

وذلك كله لا يتأتى إلا عندما تكون ذمة المجتمع واحدة ، تتضافر من خلالها كل المؤسسات على اختلاف وظائفها، لتستقي وتتلقى من مصدر واحد وتصب في مجرى واحد ، ويتوازى أداؤها في عقول ووجدان النشء الجديد فيتربى على قيم التوحيد، ويتشرب روحه الذي يسري في هذا الوجود، فينسجم بذلك مع نفسه ومع البيئة المحيطة به ومع الكون والحياة من حوله . وبذلك ينسحب الانحراف ويتوارى الشذوذ والنشاز، وتسلم الأجيال من كوارث الانفصام والانفصال التي تعاني منها مجتمعات اليوم حين شردت بفكرها وقلبها عن الله الواحد الأحد ، ومن ثم بدأت تدفع فاتورة الحساب دموعًا ودماءً وقلقًا وخوفًا واكتئابًا وهروبًا من الحياة بالمخدرات والمنومات والمسكرات حينًا وبالموت انتحارًا حينًا آخر .

وصدق الله إذ يقول:

{ ومن أعرض عن ذكري ، فإن له معيشةً ضنكًا ، ونحشره يوم القيامة أعمى } (1)

الربط بين عالم الخلق وعالم الأمر

في فكر الناشئة والمتعلمين

(1) طه 124

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت