ولذلك ينبغي أن يؤدي هذا النموذج دوره دون منافس خلال فترة التشكيل العقلي والوجداني بأبعاده الثلاثة: التصوري والسلوكي والعاطفي، وتستمر هذه الفترة إلى سن التكليف حتى تكون الهوية في أمان من الأخطار المضرة والتداخلات التي تحدث تميعًا في الشخصية وازدواجًا في السلوك، وببراعة الأديب ونورانية العارف ، يلتقط النورسي صورةً لخط التوحيد الموصول في هذا العالم الكبير ، وكأنه يسمع لسان الغيب ويرى بصماته في عالم الشهادة ، وهي تهتف بدلائل التوحيد وتشهد بلسان الوجود شهادة الحق وتخاطب الإنسان بلسان المكان ولسان الزمان قائلة: { فاعلم أنه لا إله إلا الله } (1) الذي دل على وجوب وجوده ودل على أوصاف جلاله ، وجماله وكماله ، وشهد على وحدانيته العالم ، أي هذا الكتاب الكبير بجميع فصوله وصحفه وسطوره وجمله وحروفه ، وهذا الإنسان الكبير بجميع أعضائه وجوارحه وحجيراته وذراته ، وأوصافه وأحواله أي هذه الكائنات بجميع أنواع العوالم تقول: لا إله إلا الله ..
وبأركان تلك العوالم: لا خالق إلا هو..
وبأعضاء تلك الأركان: لا صانع إلا هو..
وبأجزاء تلك الأعضاء: لا مدبر إلا هو..
وبجزئيات تلك الأجزاء: لا مربي إلا هو..
وبحجيرات تلك الجزئيات: لا متصرف إلا هو..
وبذرات تلك الحجيرات: لا خالق إلا هو..
وبأثير تلك الذرات لا إله إلا هو..
فتشهد الكائنات على أنه هو الواجب الوجود ، الواحد الأحد بجميع أنواعها وأركانها وأعضائها وأجزائها وجزئياتها وحجيراتها وذراتها وأثيرها ، إفرادًا وتركيبًا متصاعدًا بتركيبات منتظمة رافعات أعلام الشهادة على وجوب الصانع الأزلي ، والكائنات كل واحد من مركباتها وأجزائها تشهد بخمس وخمسين لسانًا بأنه واجب الوجود ، الواحد الأحد." (2) "
(1) محمد 19
(2) المثنوى العربي ص108