ثم أورد مثالا لإحدى التجارب في هذا الموضوع وهي أن باحثا أمريكيا أحضر صورة لرجل زنجي أمريكي حسن الهندام يقف بجوار رجل أبيض يحمل خنجرا كبيرا. وعرض الباحث هذه الصورة على جماعة من الأمريكيين الذين عرفوا بالتعصب ضدا على الزنوج، ثم بعد مدة عاد فسألهم عن ما شاهدوه في الصورة، فأجاب أكثرهم بأن الخنجر كان بيد الزنجي. أما غيرهم ممن لم تظهر عليه علامات التعصب العنصري فقد ذكر الصورة على أصلها وهي أن الخنجر بيد الرجل الأبيض. يقول الأستاذ مالك البدري:"وكلما ارتبطت هذه الاتجاهات بالجوانب الانفعالية الحماسية وكلما نشط الأفراد في الدعوة لأفكارهم وكلما شعروا بتهديد المجتمع لاتجاهاتهم الشاذة، كلما ازدادت ظاهرة الإدراك الانتقائي هذه" (1) 2)
فلهذا كله ندرك قيمة كلام سعيد النورسي وأمره بتقديم العقل أولا وإعمال النظر العلمي المجرد عن عواطف القلب وما يحب وما يكره . فلو أحب القلب عالما وتفاني في حبه، وجاء الحق على خلاف كلامه، فإن نور الحق يجب أن يغلب قوة هذا الحب، بل الحب الحقيقي لا يكون إلا للحق حيث كان . وفي هذا المعنى جاء الحديث النبوي:"الحكمة ضالة المؤمن أنه وجدها فهو أحق الناس بها ." (2) ومنه قول الله عز وجل"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ، إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا . وإن تلووا أو تعرضوا فإن كان بما تعملون خبيرا". وقوله تعالى:"ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى". فالحق والعدل حجة على الرجال وليس الرجال حجة على الحق، فالعبرة بالحق وليس بالرجال، والنظر المعتبر يكون للأفكار وليس للأشخاص .
(2) - جامع الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة.