الصفحة 61 من 3036

غيره، ولا تقبل شهادته لنفسه ولا لابنه ولا لأبيه، ولا فيما جر إليه نفعا أو دفع عنه ضرر. وإنما منع من قبول قول الصادق فيما وافق نحلته وشاكل هواه، لأن نفسه تريه أن الحق فيما اعتقده، وأن القربة إلى الله عز وجل في تثبيته بكل وجه، ولا يؤمن مع ذلك ، التحريف والزيادة والنقصان ." (1) فهذا الداعية ثقة لا يستحل الكذب حتى فيما يزين بدعته، لكن المحدثين ردوا روايته باعتبار خصائصه النفسية، لأن دعوته إلى بدعته يدل على أنه محب لمذهبه متعصب لرأيه إلى درجة المغالاة. وهذا الحب الشديد لمذهبه قد يحمله على الغلط في الرواية والتحريف في النقل من غير أن يقصد ذلك."

وقد أشار الأستاذ مالك البدري إلى أن الدراسات في علم النفس المعاصر تثبت ذلك فقال:"لقد أصبح الآن من الثابت علميا أن إدراك الفرد يتأثر كثيرا بالعوامل الانفعالية والوجدانية والفكرية التي تهيمن على سلوكه. فالدراسات التجريبية التي أجريت على المتعصبين لمذاهب متطرفة، أو أولئك الذين تحجرت اتجاهاتهم على احتقار أجناس وطوائف معينة من البشر، أظهرت هذه الدراسات أن هؤلاء الأشخاص يدركون المواقف التي لها صلة باتجاهاتهم المتحاملة إدراكا انتقائيا (SELECTIVE PERCEPTION) لا يتذكرون فيما يسمعون أو يشاهدون إلا الجوانب التي تؤيد اتجاهاتهم. أما النواحي التي تتعارض مع اعتقاداتهم، فهم إما يفشلون عن ملاحظتها أصلا أو ينسونها بسرعة أو يشوهونها بطريقة أو أخرى، حتى تتسق مع أفكارهم. ولا يتعمد مثل هؤلاء الكذب عندما يسردون الوقائع التي شاهدوها أو سمعوها مشوهة ناقصة، فالأمر يتم بطريقة لاشعورية ملتوية تفوت على أكثر المتعصبين المتحاملين صدقا وأمانة. (2) "

(1) -"تأويل مختلف الحديث"لابن قتيبة ص 81 - 82 (ط: دار الكتب العلمية) .

(2) - (( منهج النقد عند المحدثين ) )للأعظمي ص 41 .

2 -نفسه ص 42 .

3 -نفسه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت