الصفحة 60 من 3036

ومما يستلفت النظر أيضا من كلام النورسي المتقدم قوله"ولا تفتحوا القلب لكل طارق. فيظل ما أقوله لكم في يد خيالكم، واعرضوه على المحك، فإن ظهر أنه ذهب فأرسلوه إلى القلب، واحفظوه هناك...."وهو كلام نفيس أوجز فيه رحمه الله حقيقة أخرى من حقائق الإنسان وما أودعه الله تعالى في النفس البشرية من الطباع والخصائص. فقد أمر هنا بتأخير القلب حتى ينتهي العقل من نظره، وتستكمل مناهج البحث العلمي عملها، حتى إذا ظهر أن هذا الكلام سليم موافق للحق، فتح القلب ليستقبله. وإنما نص رحمه الله على هذا لأن من خصائص قلب الإنسان أنه إذا أحب شيئا وغالى في حبه، تعطل العقل في شأنه ، كما ورد"حبك الشيء يعمي ويصم". فإذا تحركت عواطف القلب قبل بحث العقل ونظره، فإنه لا يؤمن أن يظهر الحق باطلا والباطل حقا. وإن الدراسات النفسية المعاصرة قد أثبتت ذلك بالتجربة المتكررة. فمن المعروف في هذا المجال أن الشخص الذي ينتمي إلى مذهب فكري أو حزب سياسي أو طائفة خاصة لها مذهب تخالف به غيرها، إذا كان ممن يحب مذهبه ويتمسك به إلى حد الغلو، ويتعصب له إلى درجة المغالاة ، فإن هذه الصفة التي تلتبس بقلبه، قد تحمله على الكذب في كلامه من غير أن يقصد ذلك. وهذا وجه ما عرف عند علماء الحديث النبوي برد رواية المبتدع الداعية، وهو الذي يتعصب لمذهبه ويشهره بين الناس ويزينه ويفضله على غيره، ويتفانى في دعوة الناس إليه. فبسبب هذا التعصب تركوا روايته وردوا حديثه، مع أنه قد يكون مستقيما في دينه، لكنه غلوه في حب مذهبه قد ملك عليه عقله وقلبه، ولذلك قد يحرف الرواية لتستقيم مع مذهبه من غير أن يقصد التحريف والتزوير. يقول ابن قتيبة في بيان ذلك:"ومن كان بهذه المنزلة ( أي له مذهب يغالي في حبه ويدعو إليه) فلا بأس بالكتاب عنه ( أي الكتابة) والعمل بروايته، إلا فيما اعتقده من الهوى. فإنه لا يكتب عنه ، ولا يعمل به . كما أن الثقة العدل تقبل شهادته على"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت