تجارة الأفكار. حتى كلامي أنا لا تأخذوه على علاته- بحسن ظنكم- منه انه صادر مني، فقد أكون مفسدا أو أفسد من حيث لا أشعر- فعلى هذا تيقظوا، ولا تفتحوا القلب لكل طارق. فليظل ما أقوله لكم في يد خيالكم، واعرضوه على المحك، فإن ظهر أنه ذهب فأرسلوه إلى القلب واحفظوه هناك، وإن ظهر أنه نحاس فاحملوه على عاتق ذلك الكلام المنحوس كثيرا ، من الغيبة وشيعوه بسوء الدعاء علي، وردوه خائبا إلي" (1) ."
ومن يتدبر كلامه هذا يلفيه قد جمع فيه قواعد الحياة الإنسانية واختصر فيه حقائق النفس البشرية كما خلقها الله عز وجل، وما أودع فيها من الطباع والغرائز والصفات والأحوال. انظر إلى قوله عن نفسه"فقد أكون مفسدا"مع أنه رحمة الله عليه قد حمل نفسه على الورع وملازمة الصلاح ، واجتهد ما استطاع من أجل الإصلاح ، ووقف عمره كله على محاربة الفساد، وشهد له بذلك الخاص والعام. لكنه مع ذلك فتح باب احتمال صدور الفساد منه. وسبب ذلك انه رحمة الله عليه استحضر حقيقة الحياة والإنسان، وهي أن كل مخلوق تعتريه صفات الضعف والنقص ولابد، وأن الكمال للخالق العظيم عز وجل ، وأنه لابد لكل جواد من كبوة كما يقول المثل. وهذه الحقيقة قد بينها القرآن الكريم والسنة النبوية حتى صارت أصلا مقطوعا به. فكل عالم مهما بلغ من العلم والمعرفة يجوز عليه الخطأ والغلط لأنه"فوق كل ذي علم عليم"وإن كل ولي صالح ورع تجوز منه المعصية وتقع منه السيئة وتبدر منه الهفوة، لأنه"كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون" (2) .
وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي
وأراني ازددت علما زادني علما بجهلي
(1) - مرشد أهل القرآن إلى حقائق الإيمان"ص 227 ."
(2) - جامع الترمذي، كتبا صفة القيامة.