الصفحة 56 من 3036

فتجريح المخالف بسبب المخالفة في الاجتهاد حرام، فقد يكون غيبة وقد يكون بهتانا. وقد عمل النورسي رحمه الله بهذا المنهج، فقد كان كثير من علماء عصره يخالفونه في كثير من القضايا، لكنه ما نطق بتجريح ولا تنقيص لواحد منهم. من ذلك مثلا عدم موافقته لبعضهم في ما ذهبوا إليه من أن السير في بعض أمور الحياة على النمط الغربي لا حرج فيه ولو كان مخالفة صريحة للشرع وذلك تمسكا بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات. لكنه ما نطق بتجريح ولا تنقيص، ولما تمت محاجته في ذلك أجاب جواب العالم الورع فأورد أدلته على خطأ هذا المذهب بأدب من غير تعنيف ولا تحقير ولا تهييج للمخالف. قال وهو يحكي ذلك: (( أرسل إلي قائد عام عددا من الضباط وحتى بعض العلماء الأئمة من اجل أن يعيدوني شيئا إلي الأمور الدنيوية، فقالوا نحن الآن مضطرون أي أننا مضطرون في تقليد بعض الأصول الأوربية وموجبات المدنية حسب القاعدة المعروفة-أن الضرورات تبيح المحضورات-، قلت لهم: إنكم منخدعون تماما، لأن الضرورة النابعة من سوء الاختيار لا تبيح المحظورات فلا يجعل الحرام بمثابة الحلال… فمثلا إذا سكر شخص بسوء اختياره بشربه الحرام ثم اقترف جريمة وهو سكران فإن الحكم يجري عليه ولا يكون بريئا بل يعاقب… وهكذا قلت للقواد والأئمة أي الأمور تعد ضرورية مما سوى الأكل والعيش، فالأعمال النابعة من سوء الاختيار والميول غير المشروعة لا تكون عذرا كجعل الحرام حلال… وحتى القانون الإنساني قد أخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار وميز بين الضرورة القاطعة غير الداخلة ضمن إطار الاختيار والأحكام الناشئة من سوء الاختيار. الا أن القانون الإلهي قد فرق بينهما بشكل أساسي وثابت راسخ ومحكم ) ) (1) . فأقام الحجة لمذهبه على مذهب غيره بأدلة علمية من غير تعرض لشخص المخالف ولا لحاله ولا وصفه بالنعوت المجرحة المثيرة لهوى النفوس وما جبلت عليها من الأنفة وحب الظهور. وزاد على ذلك

(1) - (( سيرة ذاتية ) )ص 470-471.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت