2-إن قيم الرحمة الإنسانية والرفق التي زكاها الإسلام تحمل المسلمين على مد جسور الحوار والتعاون مع عامة البشر خاصة أهل الحكمة والأبرياء. ولقد استخلصت هذه القاعدة من وقفة للأستاذ سعيد النورسي يتأمل فيها حال البشر وتقلبات الزمان وصروف الدهر وخطوبه. فقد استوقف عقله حال الأبرياء من الكفار الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما يقترف الظالمون، وما مصيرهم في ما يصيبهم من البلايا والمصائب؟ ووقفته هذه قد لا يوافق البعض أو الكثير منا على ما قاله فيها، غير أنه مهما كان الأمر فإنها صالحة لما سقناها من أجله. يقول رحمه الله: (( لقد مس مسا شديدا مشاعري وأحاسيسي المفرطة في الرأفة والعطف ما أصاب الضعفاء المساكين من نكبات وويلات ومجاعات ومهالك من جراء هذه الطامة البشرية التي نزلت بهم… ولكن على حين غرة نبهت إلى أن هذه المصائب وأمثالها ينطوي تحتها نوع من الرحمة والمجازاة-حتى على الكافر- بحيث يهون تلك المصيبة، فتظل هينة بسيطة بالنسبة إليهم، وأصبح هذا التنبيه مرهما شافيا لإشفاقي المؤلم على الأطفال والعوائل في أوربا وروسيا.. نعم إن الذين نزلت بهم هذه الكارثة العظمى-التي ارتكبها الظالمون- إن كانوا صغارا وإلى الخامسة عشرة من العمر فهم في حكم الشهداء من أي دين كانوا، فالجزاء المعنوي العظيم الذي ينتظرهم يهون عليهم تلك المصيبة. أما الذين تجاوزوا الخامسة عشرة من العمر فإن كانوا أبرياء مظلومين فلهم جزاء عظيم ربما ينجيهم، لأن الدين-ولاسيما الإسلام- يستر بستر الا مبالاة في آخر الزمان… وقد بلغني من الحقيقة أن تلك النكبات والويلات كفارة بحقهم من الذنوب المتأتية في سفاهات المدنية وكفرانها بهذه النعم ومن ضلالات الفلسفة، وبهذا وجدت السلوان والعزاء من ذلك الألم النابع من العطف المتزايد فشكرت الله شكرا لا نهاية له ) ) (1) . فإذا كان هذا هو ما استقر عليه من حال هؤلاء في الآخرة، فبالأولى أن يستقر
(1) - (( سيرة ذاتية ) )ص 312.