الصفحة 37 من 3036

وقريب من هذا الوصف ما كان عند المحدثين من التفريق بين الدين والأمانة والضبط والإتقان، فتجدهم لا يكتفون بالأول دون الثاني فيقولون مثلا:"فلان ثقة في دينه مغفل في حديثه"، وذلك بسبب عدم ضبطه لحديثه وقلة إتقانه لعلمه فيستحق الترك. فكذلك في هذا العصر تجد المرء قد بلغ الغاية في الورع والدين والأمانة، لكن فيما بينه وبين الناس وفي أمور المعاش والمعاملات لا يتحرى الإتقان والكمال، فإن أتقن عملا ضيع أعمالا، وإن أتى واجبا غفل عن واجبات مثله. وتجد الفرض الواحد من فروض الكفاية يتوارد عليه أكثر من واحد، وتجد فرضا آخر ربما أعظم منه لا يجد من يتولاه. وسبب ذلك في نظر سعيد النورسي هو أن أهل الحق أمامهم جبهات كثيرة متنوعة وعليهم واجبات كثيرة، منها ما هو لله تعالى ومنها ما هو للأقارب والأرحام والأبناء، ومنها ما هو للمجتمع وعامة الناس من جلب الصلاح والنفع لهم، ومنها صد كيد الأعداء ورد الشبه واتقاء الضربات الداخلية والخارجية، مع ما يجب على الفرد أولا في خاصة نفسه من التعلم والتربية الإيمانية وتهذيب النفس، فتجد المرء يحاول ذلك كله، وربما ظن أنه مستغن بنفسه، وهيهات أن يسد كل هذه الثغور. يقول رحمه الله (( إن اختلاف أهل الحق ليس ناشئا من فقدان الشهامة والرجولة ولا من انحطاط الهمة وانعدام الحمية… بل إن أهل الحق وجهوا نظرهم إلي ثواب الآخرة-على الأكثر- فتوزع ما لديهم من حمية وهمة وشهامة إلي تلك المسائل المهمة والكثيرة. ونظرا لكونهم لا يصرفون أكثر وقتهم الذي هو رأسمالهم الحقيقي إلي مسألة معينة واحدة فلا ينعقد اتفاقهم عقدا محكما مع السالكين في نهج الحق، حيث إن المسائل كثيرة والميدان واسع. أما الدنيويون الغافلون فلكونهم يحصرون نظرهم حصرا في الحياة الدنيا- فهي أكبر همهم ومبلغ علمهم- تراهم يرتبطون معها بأوثق رباط وبكل ما لديهم من مشاعر وروح وقلب ) ) (1) . ودواء ذلك هو الاجتماع

(1) - (( اللمعات ) )ص 234-235.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت