أنيط بك من واجب )) (1)
-4-غياب ميزان العقل وعدم تقدير الأمر حق قدره:
فقد يكون العمل مطلوبا محمودا شرعا، غير أن الحاجة إلي غيره قد يكون أكبر وأعظم، وقد يعطى المرء للعمل من المكانة أكثر مما هو عليه في نفس الأمر. فما أكثر من يصرف الوقت في الأوراد والأذكار والتأمل فينسحب من الميدان ويصبح وسيلة في توهين الاتفاق وسببا في إضعاف الجماعة المسلمة. يقول رحمه الله: (( ذلك لأن المسائل التي تظنونها جزئية وبسيطة ربما هي على جانب عظيم من الأهمية في هذا الجهاد المعنوي. فكما أن مرابطة جندي في ثغر من الثغور الإسلامية- ضمن شرائط خاصة مهمة- لساعة من الوقت قد تكون بمثابة سنة من العبادة، فإن يومك الثمين هذا الذي تصرفه في مسألة جزئية من مسائل الجهاد المعنوي ولا سيما في هذا الوقت العصيب الذي غلب أهل الحق فيه على أمرهم، أقول إن يومك هذا ربما يأخذ حكم ساعة من مرابطة ذلك الجندي، أي يكون ثوابه عظيما، بل يكون يومك هذا كألف يوم ) ) (2) . وأشار رحمه الله من ذلك إلي الوعاظ المبالغين في الترغيب والترهيب كجعل الغيبة كالقتل، وإظهار التبول وقوفا بدرجة الزنا… قال: (( إن الوعاظ الذين لا يملكون موازين ويطلقون الكلام جزافا قد سببوا حجب كثير من حقائق الدين النيرة ) ) (3) . وقد غضب رحمه الله لذلك لما رأى أن هذا لا يقتصر ضرره على المسلمين وإنما يتعداهم إلي إبعاد الشقة أكثر بين المتدينين والعلمانيين، وبين الإسلام وغير المسلمين فيقول: (( أيها الظالمون الذين يحاولون جرح الإسلام ونقده من بعيد من الخارج، زنوا الأمور بالمحاكمة العقلية ولا تنخدعوا ولا تكتفوا بالنظر السطحي، فهؤلاء الذي أصبحوا سببا لأعذاركم الواهية في نقد الإسلام يسمون بلسان الشريعة- علماء السوء- فانظروا إلي ما وراء الحجاب الذي ولده عدم موازنتهم للأمور وتعلقهم الشديد بالظاهر، سترون أن كل حقيقة من حقائق
(1) -نفسه ص 231.
(2) -نفسه ص 236.
(3) - (( صيقل الإسلام ) )ص 46.