الصفحة 34 من 3036

ومثل أهل الهداية وأهل الضلالة في هذا كمثل الأسود والوعول، فالأسود لفرط قوتها تعيش فرادى، ولا تشعر بالحاجة إلى الاتفاق والاجتماع، وأما الوعول والظباء فتعيش جماعات خوفا من الذئاب. (( إن الذين ينشدون الحق لا يرون وجه الحاجة إلى معونة الآخرين لما يحملون في قلوبهم من إيمان قوي يمدهم بسند عظيم يبعث فيهم التوكل والتسليم، حتى لو احتاجوا إلى الآخرين فلا يتشبثون بهم بقوة. أما الذين جعلوا الدنيا همهم، فلغفلتهم عن قوة استنادهم ومرتكزهم الحقيقي يجدون في أنفسهم الضعف والعجز في إنجاز أمور الدنيا فيشعرون بحاجة ملحة إلي من يمد لهم يد التعاون فيتفقون معهم اتفاقا جادا لا يخلوا من تضحية وفداء. وهكذا فلأن طلاب الحق لا يقدرون قوة الحق الكامنة في الاتفاق ولا يبالون بها ينساقون إلي نتيجة باطلة وخيمة تلك هي الاختلاف ) ) (1) . أما دواء هذا الداء فهو العلم بأن رضى الله لا ينال الا بالإخلاص وليس بكثرة الأتباع، فالتوفيق في العمل وتكثير الأتباع مما يتولاه الله عز و جل. والإخلاص في العمل إنما يتحقق بصدق الرغبة في إفادة المسلمين عامة أيا كان مصدر الاستفادة، من كل شخص صدر وعلى لسان كل فريق. ويوجه الأستاذ سعيد النورسي في هذا الشأن نداء إلى أهل الحق فيقول: (( فيا من يحرص على المزيد من الثواب ولا يقنع بما قام به من أعمال للآخرة، اعلم أن الله سبحانه قد بعث أنبياء كراما وما آمن معهم إلا قليل، ومع ذلك نالوا ثواب النبوة العظيم كاملا غير منقوص. فليس السبق والفضل إذا في كثرة التابعين المؤمنين، وإنما في نيل شرف رضى الله سبحانه. فمن أنت أيها الحريص حتى ترغب أن يسمعك الناس كلهم، وتتغافل عن واجبك وتحاول أن تتدخل في تدبيره وتقديره… إعلم أن تصديق الناس كلاملك وقبولهم دعوتك وتجمعهم حولك إنما هو من فضل الله يؤتيه من يشاء، فلا تشغل نفسك فيما يخصه سبحانه من تقدير وتدبير، بل اجمع همك في القيام بما

(1) - (( اللمعات ) )ص 233-234.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت