فقد يغتر العالم بعلمه وصاحب الحق بحقه، فيزين له أنه قد استغنى عن التربية وتهذيب النفس وتعهدها بالرعاية والصيانة والتزكية ، ويزعم أن ذلك إنما هو على من دونه من عامة الناس وأهل الضلالة، فيفتح الباب لغرائز الميل إلي الشر وطبائع النفس لتعمل عملها، وهي مفضية لا محالة إلي العداوة والتنازع. ولهذا تتحرك غريزة حب الظهور والتفوق على سائر الناس، لأن أهل الدين وأصحاب العلم وأرباب الطرق الصوفية وظيفة كل منهم متوجهة إلي الجميع، وإن أجرتهم العاجلة غير متعينة، كما أن حظهم من المقام الاجتماعي-الذي يقوم على حظ الدنيا- وتوجه الناس إليهم والرضى عنهم لم يتخصص أيضا. (( فهناك مرشحون كثيرون لمقام واحد، وقد تمتد أيد كثيرة جدا إلى أية أجرة - مادية كانت أو معنوية- ومن هنا تنشأ المزاحمة والمنافسة والحسد والغيرة، فيتبدل الوفاق نفاقا والاتفاق اختلافا وتفرقا ) ) (1) . وينشأ عن ذلك الغرور والاستبداد بالرأي، (( وإذا ما كان ثمة غرور وأنانية في النفس يتوهم المرء نفسه محقا ومخالفيه على باطل فيقع الاختلاف والمنافسة بدل الاتفاق والمحبة وعندها يفوته الإخلاص ويحبط عمله ويكون أثرا بعد عين ) ) (2)
(( ثم يبرز إلي الميدان الاستعجال فيزل قدم الهمة ويقلب على عقبيها بطفراته خطوات ترتب الأسباب والمسببات، فتشوش مراحل العلل التي ووضعها الله سبحانه في سننه الكونية ) ) (3)
(1) - (( اللمعات ) )ص 227
(2) - نفسه ص 228.
(3) - (( صقيل الإسلام ) )ص 433.