أما دواء ذلك كله فهو التربية وتزكية النفس طول عمر المرء، وجماع كل هذا تربية النفس وحملها على الإخلاص فترتوي من قوله تعالى: ( إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى اللَّهِ ) ) - يونس 72-. وقوله عز و جل: (( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلَاغُ الْمُبِين ُ ) )- النور 54-، وقوله تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) )-النساء 135-. ومن دوائه صحبة السالكين ومعاشرة الصالحين (1) . يقول رحمه الله: (( إن الإخلاص واسطة الخلاص ووسيلة النجاة من العذاب، فالعداء والعناد يزعزعان حياة المؤمن المعنوية فتتأذى سلامة عبوديته لله إذ يضيع الإخلاص، ذلك لأن المعاند الذي ينحاز إلي رأيه وجماعته يروم التفوق على خصمه حتى في أعمال البر التي يزاولها فلا يوفق توفيقا كاملا إلي عمل خالص لوجه الله، وهكذا يضيع أساسان مهمان لبناء البر- الإخلاص والعدالة- بالخصام والعداء ) ) (2) .
وأما إعماله لهذا الدواء في خاصة نفسه فيقول: (( فلئن كان قبول المقامات المعنوية يفيد الشخص والمقام فائدة واحدة، فإنه يلحق ألف ضرر وضرر بالناس عامة وبالحقائق نفسها… إن حقيقة الإخلاص تمنعني من كل ما يمكن أن يكون وسيلة إلى كسب شهرة لبلوغ مراتب مادية ومعنوية… لذلك أرجح الاتصاف بالخدمة على نيل المقامات حتى أنني قلقت ودعوت الله الا يصيب شيء ذلك الشخص الذي أهانني بغير وجه قانوني… حيث أن المسألة انتشرت بين الناس فخشيت أن يمنحوني مقاما، فلربما يعدون حدوث شيء ما نتيجة كرامة خارقة. لذا قلت: يا رب أصلح شأن هذا أو جازه بما يستحق من دون أن يكون عقابا يومئ إلى كرامة معنوية ) ) (3)
(1) - انظر: المصدر السابق - (( اللمعات ) )ص 227، ص227، ص232-233.
(2) - (( المكتوبات ) )ص 350.
(3) - (( سيرة ذاتي ) )ص 372، وانظر (( صقيل الإسلام ) )ص 332.