الصفحة 276 من 3036

فالمتواضع طاف بالبلاد عزيز النفس مطمئن القلب، لا يخشى عدوًا ولا يرجو صديقًا. ويقابل في حلّه وترحاله بالودّ والترحاب، لا لذاته، بل لما يحمله من نسبة وانتساب إلى تلك القوة التي يتحرك باسمها.

أما المغرور فعلى العكس منه، لا يخطو خطوة إلاّ بعسر ومشقة، ولا يقابل إلاّ بالجفاء والصدود، وعرضة لخطر اللصوص وغدر الأعداء، وهكذا ظل طوال الوقت يعاني من ويلات القلق والاضطراب والخوف من المستقبل المجهول، فأورثه هذا وذاك صغار النفس وهوانها، وذلتها وانكسارها.

وفسر النورسي الحكاية التمثيلية بمقدمتها الاستهلالية بقوله:

"فيا نفسي المغرورة اعلمي أنك أنت ذلك السائح البدوي، وهذه الدنيا الواسعة هي تلك الصحراء، وأن فقرك وعجزك لا حد لهما، كما أن أعداءك وحاجاتك لا نهاية لهما، فما دام الأمر هكذا. فتقلدي اسم المالك الحقيقي لهذه الصحراء وحاكمها الأبدي لتنجى من ذل التسول أمام الكائنات، ومهانة الخوف أمام الحادثات". (1)

وعلى هذا فالبدوي في المثل مجاز للنفس البشرية المعروفة بداهة بغش صاحبها وخداعه، وتزيين ما يوهم أنه حق وصواب، والصحراء هي الحياة الدنيوية، والنفس لا يمكنها لشدة ضعفها، وذلها ومسكنتها، واختلاف مطالبها الحياتية، وكثرة أعدائها. من أن تحيا بسلام وطمأنينة إلا بالانتساب لمالك الحياة وسيدها، فتحمل اسمه شعارًا ورمزًا لها، عندئذ تتحرر من أمرين:

ذل الحاجة إلى الأغيار.

وذل الخوف مما تخبئه الأيام القادمة.

وأخيرًا علق النورسي على المثل وتفسيره مبينًا فيه ما تحمله البسملة من معاني سامية، وما فيها من طاقات قاهرة، وما تدفع به في النفس من نشاط على الحركة وإخلاص في العمل قائلًا:

(1) الكلمات - النورسي ، ص6

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت