الصفحة 275 من 3036

فحياة الصحراء تفرض على ساكن البادية، حيث لا سلطة يلجأ إليها عند الحاجة، ولا قوة تحميه من الأعداء، أن ينتسب إلى قبيلة لها شيخ، فيحمل شعارها وسماتها الدالة عليها، وبالتالي يمنحه هذا الانتساب قوة واقتدار تمكنه من التنقل من مكان إلى آخر بكامل الثقة والاطمئنان على سلامته الشخصية، وتتيح له قضاء حاجاته ومطلوباته بلا خوف من الأغيار ولا نفور منهم.

أما الحكاية نفسها فرواها قائلًا:

"وهكذا، فقد توافق أن قام اثنان بمثل هذه السياحة، كان أحدهما متواضعًا، والآخر مغرورًا، فالمتواضع انتسب إلى رئيس، بينما المغرور رفض الانتساب. فتجولا في الصحراء، فما كان المنتسب يحل في خيمة إلاّ ويقابل بالاحترام والتقدير بفضل ذلك الاسم، وإن لقيه قاطعُ طريق يقول له:"

إنني أتجول باسم ذلك الرئيس.

فيتخلى عنه الشقي، أما المغرور فقد لاقى من المصائب والويلات مالا يوصف، إذ كان طوال السفرة في خوف دائم ووجل مستمر، وفي تسول مستديم، فأذل نفسه وأهانها". (1) "

فالحكاية إذن تروي اتفاق اثنين على الطواف ببلاد هي كالصحراء القاحلة، لا سلطة ولا قانون، ولكن كل منهما على طرفي نقيض:

فالأول متواضع، بعيد عن التكبر، عارف بحجمه، وفي داخل نفسه يشعر بالفقر والافتقار.

أما الثاني فمغرور، مخدوع النفس، بما وهب له من قوة واقتدار، وبها يتباهى ويتفاخر، مع تكبر وتعظم ظاهرين.

وفي الوقت الذي اتجه فيه المتواضع وكنتاج طبيعي لما يحس به من ضعف في نفسه إلى الانتماء إلى رئيس، فحمل شعار رئاسته ورمز سلطته، طرح المغرور فكرة الانتماء جانبًا ولم يقبلها، مؤثرًا عليها ما سولت إليه به نفسه من أنه أصيل لا يحتاج إلى غيره في الفعل والحركة، وغنى في ذاته لا يفتقر لسواه.

وأثناء الرحلة أو السياحة برزت أهمية الانتماء وقيمة الانتساب:

(1) الكلمات - النورسي ، ص6

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت