ولإزالة هذا الداء اجتهد رحمه الله لإصلاح نظام التعليم عند المسلمين لتسير فيه العلوم المادية والفلسفة الإنسانية في توافق وائتلاف مع القرآن الكريم والسنة النبوية. تقول ماري ويلد (1) : (( يقسم بديع الزمان تاريخ الإنسانية إلي تيارين، أحدهما تيار النبوة والآخر تيار الفلسفة والعلوم، ويربط كل التيارين بذات الإنسان ويصور نتائج كلا التيارين. فالنبوة التي تمثل الوحي الإلهي تخاطب قلب الإنسان أما الفلسفة فتخاطب عقله، والهدف هو اتفاق الاثنين، أي قيام الفلسفة باتباع الدين واتباع النبوة وخدمتها، وكلما تم هذا ذاقت الإنسانية طعم السعادة وعاشت في انسجام وتناغم. وعندما يفترق أحدهما عن الآخر ينسحب الخير والنور إلي جانب النبوة، ويتراكم الشر والضلالة- كما حدث في الغرب- في جانب الفلسفة ) ) (2) . فبهذا يؤلف بين الدين وبين العلم والقرآن، فيكون علماء الحياة والكون وعلماء الشريعة بمنزلة الوجهين للعملة الواحدة، لأن كل طائفة ترى الحاجة بها إلي الطائفة الأخرى، فتصلح الواحدة بالأخرى. يقول رحمه الله: (( إن الوسيلة الوحيدة لإصلاح هذا إنما يمكن في وضع العلوم الدينية في المدارس المدنية، وتدرس العلوم العملية بدلا من الفلسفة اليونانية القديمة في المدارس الدينية، ووضع علماء متبحرين في التكايا من أجل تثقيف وتنوير طبقة الدراويش المتصوفة ) ) (3) .فتدريس الدين في المدارس العلمية والتقنية الحديثة يعصم الطلبة من الشك
(1) - (( باحثة بريطانية متخصصة في الأدب التركي والفارسي. أسلمت عام 1981م بعدما قرأت الترجمة الإنجليزية لرسائل النور وسمت نفسها (( شكران واحدة ) ). تقيم الآن في تركيا ، ومن مؤلفاتها (( الاسلام والغرب ونحن ) )- (( مؤلف رسائل النور بديع الزمان ) ).
(2) - (( مؤلفات بديع الزمان كنموذج لتقديم الإسلام الى الغرب ) )لماري ويلد. مؤتمر بديع الزمان النورسي -استانبول 1992 ص: 222-223.
(3) - (( العثمانيون في التاريخ والحضارة ) )ص 261.