وزاد الأمر إدبارا وانحرافا لما عمد كثير من الباحثين و الدارسين إلى محاولة إثبات أن القول بحقيقة علمية منفصلة عن الحقيقة الدينية هي الأصل المعتمد عند المسلمين عبر العصور، فذهبوا يلتمسون نماذج من أعلام المسلمين دليلا على انفصال الحقيقة العلمية عن الوحي، فقالوا إن أبا الوليد بن رشد (ت 594) فيلسوف قرطبة وعالم الأندلس ممن قال بحقيقتين: فلسفية ودينية، مختلفتين وصادقتين معا، ويزيدون في تأييد ذلك ببيان أن فكر ابن رشد كان له أثر في الفكر الغربي في عصر التنوير حتى وجد فيه تيار يسمى"الرشديين اللاتين"وان أسقف باريز أصدر قرارا في مارس 1277م بتحريم ثلاث عشرة قضية من قضايا هذا التيار وهي كلها من أفكار ابن رشد، ومنها القول بالحقيقتين. وهذه بعض الأقوال في ذلك. يقول مراد وهبة:"إن ابن رشد يخضع الدين للعقل… وداعية لفصل الدين عن الدولة… ومؤسس للتنوير الغربي والعلمانية الغربية" (1) وقيل في ذلك أيضا:"إن ابن رشد هو أبعد فلاسفة العرب بعد المعري عن الإسلام"وقيل أيضا:"إن فلسفة ابن رشد عبارة عن مذهب مادي قاعدته العلم". (2) 2) ومن النماذج المقدمة في ذلك أيضا العلامة ابن خلدون (ت 808) فقد قيل عنه انه يفصل"فصلا منهجيا بين الميدانين (الديني والطبيعي) . ولا جدال في أن هذا الفصل خطوة حاسمة نحو العقلانية في عالم يهيمن عليه الغيب" (3) 3) وقيل أيضا:"إن ابن خلدون حقق خطوة هامة على مستوى تنظير التاريخ العربي بفصله المنهجي لعلم التاريخ عن العلوم الدينية فصلا على مستوى النظرية" (4) 4). فهذه الطائفة عمدت قسرا إلى علماء الإسلام الذين جمعوا بين علوم الشريعة وعلوم الحياة والإنسان والفلسفة
(1) -"مدخل إلى التنوير"ص: 156-259.
(2) - انظر"الموقع الفكر لابن رشد"محمد عمارة، مجلة إسلامية المعرفة عدد 3
(3) - الخطاب التاريخي: دراسة لمنهجية ابن خلدون"علي أمليل، صّ: 41. ( معهد الإنماء العربي) ."
(4) -نفسه ص: 45.