أما الاختلاف الإيجابي فهو الذي يحصل بعد الاتفاق على الأسس الجامعة للمختلفين والاجتماع على غايات واحدة، فيجتهد كل واحد لمعرفة الحق وتحري الصواب، فإذا لم يحصل الاتفاق على رأى واحد لم يحل لأحد القطع بصحة رأيه وخطأ رأي غيره، وإنما يبقي كل واحد الاحتمال لخطأ رأيه ولصواب رأي غيره. يقول رحمه الله: (( إن تصادم الآراء ومناقشة الأفكار لأجل الحق وفي سبيل الوصول إلي الحقيقة إنما يكون عند اختلاف الوسائل مع الاتفاق في الأسس والغايات، فهذا النوع من الاختلاف يستطيع أن يقدم خدمة جليلة في الكشف عن الحقيقة وإظهار زاوية من زواياها بأجلى صور الوضوح ) ) (1) . وفي توجيه ما روي في الحديث من أن الاختلاف رحمة (2) ، يقول (( إن الاختلاف الوارد في الحديث هو الاختلاف الإيجابي البناء المثبت، ومعناه أن يسعى كل واحد لترويج مسلكه وإظهار صحة وجهته وصواب نظرته، دون أن يحاول هدم مسالك الآخرين أو الطعن في وجهة نظرهم وإبطال مسلكهم، بل يكون سعيه لإكمال النقص ورأب الصدع والإصلاح ما استطاع إليه سبيلا ) ) (3) . وأما الاختلاف السلبي، فهو الذي يكون مع الرغبة في الشهوة ونيل حظوة التفرد بالصواب والسداد، وإماتة كل مذهب مخالف. يقول رحمه الله: (( أما الاختلاف السلبي فهو محاولة كل واحد تخريب مسلك الآخرين وهدمه، ومبعثه الحقد والضغينة والعداوة، وهذا النوع من الاختلاف مردود أصلا في نظر الحديث، حيث المتنازعون والمختلفون يعجزون عن القيام بأي عمل إيجابي بناء… إن كانت المناقشة والبحث عن الحقيقة لأجل أغراض شخصية وللتسلط والاستعلاء وإشباع شهوات نفوس فرعونية ونيل الشهوة وحب الظهور، فلا تتلمع بارقة الحقيقة في هذا النوع من بسط الأفكار… ) ) (4) فهذا الجنس من الاختلاف هو المقصود هنا وانه سبب الركود والتخلف، وهو الذي تولى الأستاذ النورسي إصلاحه
(1) - (( المكتوبات ) )ص 347.
(2) - حديث (( اختلاف أمتي رحمة ) )حديث ضعيف.
(3) - (( المكتوبات ) )ص 347.
(4) - فسه.