الصفحة 16 من 3036

مظهرا للاختلاف والتنازع والشقاق.

وقد اجتهد رحمه الله لمداواة هذا الداء فعمل على استقصاء أسباب الاختلاف وجذور الشقاق وتحريرها، وحصر الروابط الإنسانية التي تجمع البشر كلهم وحرر حقائق الحياة البشرية التي يسلم بها العقل البشري مهما اختلفت العقائد وتنوعت النحل، ثم رصد الروابط التي تجمع بين المسلمين وغيرهم على مراتبها بحسب اختلاف العقائد والمذاهب والنحل، ثم الروابط الروحية والمعنوية والواقعية التي تربط بين جميع المنتسبين إلى الإسلام. وبعد ذلك كله وضع القواعد العملية التي يجب اتباعها فيما لا يمكن الاتفاق عليه، لأنه لا يمكن القطع فيه برأي، وسار هو نفسه على هذه القواعد وأوصى بها طلبته.

فهذه هي جهوده في إرساء الوحدة الفكرية وتثبيت الحوار العلمي على جهة الاختصار والإجمال، أما على جهة البيان والتفصيل فهي على النحو الآتي:

أسباب الاختلاف والتنازع وسبل إزالتها.

الأسس النظرية للوحدة الفكرية.

-الأسس العملية للوحدة الفكرية

المبحث الأول: أسباب الاختلاف والتنازع وسبل إزالتها.

تقدم في التمهيد أن الاختلاف الفكري الناشئ عن الاجتهاد فيما لا يمكن القطع فيه برأي واحد، كان سبب توسع الفكر الإسلامي في زمن السلف الصالح من التابعين وأتباعهم، وسبب ازدهار الحضارة ورقي المعرفة الإسلامية. ووجه ذلك أن غرض الجميع هو الوصول إلى الحق والرجوع إليه عندما يتبين حيث ما كان على لسان كل فريق، فلم يكن هذا الاختلاف سببا في التنازع والشقاق والتراشق بالتعنيف والتقبيح، بل إن علماء الإسلام اشترطوا في المجتهد معرفة مواطن الإجماع ومواطن الخلاف، وقالوا بمراعاة الخلاف واعتبار الرأي المخالف عند الاجتهاد، فليس كل خلاف مذموما الا إذا أدى إلي التنازع والشقاق. وقد استوعب بديع الزمان النورسي هذه الحقيقة وعبر عنها في مكتوباته حيث جعل الخلاف قسمين: هما الاختلاف الإيجابي والاختلاف السلبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت