ومع بداية القرن العشرين الميلادي تنبه الشيخ بديع الزمان النورسي رحمه الله لهذه المسألة فوقف عندها ناظرا متأملا فاحصا، على عادته رحمه الله في تأملاته ونظراته العميقة في حقائق الأشياء، فنطق لسانه معبرا عن ذلك التأمل قائلا:"سؤال مهم ومثير للدهشة، لماذا يختلف أصحاب الدين والعلماء وأرباب الطرق الصوفية وهم أهل حق ووفاق ووئام بالتنافس والتزاحم، في حين يتفق أهل الدنيا والغفلة، بل أهل الضلالة والنفاق من دون مزاحمة ولا حسد فيما بينهم، مع أن الاتفاق من شأن أهل الوفاق والوئام، والخلاف ملازم لأهل النفاق والشقاق. فكيف استبدل الحق والباطل مكانهما فأصبح الحق بجانب هؤلاء والباطل بجانب أولئك ! )) (1) ويقول أيضا: (( إنه لمن العجب وموضع الأسف: إذ بينما يضيع أهل الحق والحقيقة القوة العظمى في الاتفاق بالاختلاف فيما بينهم، يتفق أهل النفاق والضلالة للحصول على القوة المهمة فيه-رغم اختلاف مشاربهم- فيغلبون تسعين بالمائة من أهل الحقيقة مع انهم لا يتجاوزون العشرة بالمائة. ) ) (2) ثم تبين له بعد ذلك أن هذا الاختلاف والشقاق بين أهل الإسلام من أهم أسباب الركود والتخلف في العالم الإسلامي فيقول: (( لقد تعلمت من واقع الحياة الاجتماعية ومن الواقع الذي تعيشه البشرية في يومنا هذا أن هناك ستة أمراض قاتلة جعلتنا نقف على أعتاب القرون، ونتيه في مسالكها المظلمة، في الوقت الذي طار فيه الأجانب-ولاسيما الأوربيين- بخطى سريعة نحو المستقبل، وهم يتسابقون في ميادين الرقي والتقدم العلمي. وهذه الأمراض هي: أولا حياة اليأس… ثانيا: موت الصدق في حياتنا… ثالثا: حب العداوة… رابعا: الجهل بالروابط النورانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض. خامسا: الاستبداد… سادسا: حصر الهمة في المنفعة الشخصية ) ) (3) وليس حب العداوة والجهل بالروابط النورانية بين المؤمنين الا"
(1) - (( اللمعات ) )ص: 226.
(2) - (( سيرة ذاتية ) )ص 314.
(3) - (( الخطبة الشامية ) )ص 30-31.