الصفحة 14 من 3036

قسم وسط بين الأمرين، ليس له من القطع في ثبوته أو في دلالة النصوص الشرعية عليه ما يلحقه بأحد القسمين قبله، فيتجاذبه جانب الصحة وجانب البطلان، وهذا هو موضع النظر ومجال الاجتهاد وهو الذي يسع الاختلاف.

وبناء على هذه النظرة الدقيقة كان الاختلاف في النظر والاجتهاد سببا لنشاط الحركة العلمية والفكرية في القرون الأولى من تاريخ الإسلام، فكانت المدارس الاجتهادية ووجد من ذلك توسع كبير في الفكر الإسلامي، وتمحضت علوم كثيرة، وكانت مناهج المناظرة ومجالسها لتحاور المختلفين ولم يكن ذلك سببا للتنازع والشقاق وضعف قوة المسلمين وذهاب سلطانهم، وإنما كان هذا الأساس الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية في أزهى عصورها

... ولم يبق الأمر على ذلك وإنما حل الاختلاف المذموم محل الاختلاف المحمود، ورسخ الشقاق بين المسلمين بسبب الاختلاف في الفهم والاجتهاد، وحصل التعصب للآراء واشتهر الانتصار للمذاهب فكان هذا سببا لركود الفكر الإسلامي في العصور الأخيرة ركودا بينا، لأن كل ذي رأي يتعصب لرأيه ويشنع على مخالفه، ومازال أثر ذلك إلي يومنا هذا، وهذا شيء واقع مشاهد وليس متوهما مظنونا. وقد عبر بديع الزمان النورسي عن هذا الركود وعن زمنه بالتحديد فقال: (( إن معاصري - مع الأسف- وإن كانوا أبناء القرن الثالث عشر الهجري إلا أنهم تذكار القرون الوسطى من حيث الفكر والرقي، وكأنهم فهرس ونموذج وأخلاط ممتزجة لعصور خلت من القرن الثالث إلي الثالث عشر الهجري، حتى عدا كثير من بدهيات هذا الزمان مبهمة لديهم ) ) (1)

... ولهذا، وبعد بداية الصحوة الإسلامية في العصر الحديث، وظهور بوادر البعث والنهضة الفكرية في العالم الإسلامي، كانت قضية الاختلاف هذه محل عناية عند المصلحين ورجالات الفكر الإسلامي المعاصر، لأنهم أدركوا أنها من معوقات الفكر الإسلامي.

(1) - (( صيقل الإسلام ) )ص: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت