فيظهر من هذا أن أول مسألة عرضت للمسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي تحقق الاختلاف عند النظر في القضايا العامة للأمة والاجتهاد في أمور الدولة والشؤون العامة السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية وغيرها، وظهور الحاجة إلى قانون يضبط هذا الاختلاف ويمكن من الاختيار والترجيح عند العمل، ويحفظ وحدة الأمة وتعاون المختلفين وتواضعهم على قواعد للتعامل فيما يختلفون فيه. ولهذا تنبه الصحابة والمسلمون من بعدهم إلى التغيير الذي حصل في تاريخ الإسلام وأحوال المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدركوا أن الحياة لا تستقيم إلا بالاجتهاد وإن الاجتهاد يكون منه الخلاف لأنه لا يمكن التسوية بين مدارك المجتهدين وهيهات هيهات أن يجتمع الناس على فهم واحد. وفي تقرير هذه الحقيقة يقول الشاطبي:''وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف فيها.'' (1) وكان كلما مضى الزمان وبعد العهد عن زمن النبوة، زاد الاختلاف باتساع الاجتهاد. فكان لابد إذن من تحرير مسألة الاجتهاد وضبط الاختلاف، فحرروا هذا الموضوع تحريرا لا مزيد عليه .
وكان فائدة نظر علماء الإسلام في ذلك أن المعرفة والحقائق العلمية في جميع مجالات العلم والفكر لا تزيد على ثلاثة أقسام وهي:
قسم من الحقائق مقطوع بصحته، لا يجوز الاختلاف فيه، وسموه"المعلوم من الدين بالضرورة"، لا يسع العاقل الا التسليم به وعدم المنازعة فيه. وهذا القسم يشمل أصول العقائد والأحكام الشرعية العامة وكليات الشريعة.
قسم مقطوع ببطلانه، وهو مقابل للأول، فمن قطع بصحة القسم الأول قطع بالضرورة ببطلان مقابله. وهذا القسم يشمل ما ثبت بالقطع من المنهيات مثل الكفر والشرك في العقائد، والظلم والفساد في المعاملات، فهذا أيضا لا يصح فيه الاختلاف.
(1) - الاعتصام: 2 / 145 .