الصفحة 114 من 3036

وهذه المعجزات وإن كانت قد أعطيت للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، لتحدي أقوامهم، وتوكيد نبوتهم ورسالتهم، إلاّ أن فيها إلى جانب هذا الهدف الأهم أهدافًا أخرى تنطوي - كما يرى"النورسى"- على إشارات علمية، وبشارات بمستقبل علمي زاهر ستحققه البشرية يومًا ما في تاريخها الطويل، كما أنها - أي المعجزات - ترسل للبشرية من مكانها وزمانها البعيدين حافزات لقواها العقلية كي تطور قدراتها العلمية، وتحاول اللحاق بقدر المستطاع الإنساني بالنهايات التي حققتها المعجزات.

فإذا كان"النورسي"قد ربط هذا الربط الذكي بين المعجزة وبين العلم، إلاّ أنه يرى أن"القدرة"هي روح المعجزة وقوامها، بينما"الحكمة"هي روح العلم وقوامه، فالمعجزة تقع بالأمر الإلهي:"كوني"فتكون، بينما العلم لا يأتي إلاّ بالجهد والصبر والعمل الإنساني الدؤوب.

فالعلم من وجهة نظر"النورسي"يطلعنا على مظهر من مظاهر قوة الله وعظمته الكامنة في لغزه، والجارية في خفاياه، وهو جدير بالمؤمنين قبل غيرهم، لذا يجب أن يكون في كل لبنة من صرحه العظيم قلب مؤمن وحسّ مسلم، وعقل عابد، لا قلب كافر، ونفس ملحد، وقد آن لهم أن يكفوا، أن يكونوا من طالبيه لدى الآخرين، بل من صانعيه لأنفسهم بأنفسهم، فهو الحق القوي الذي يحتاجونه اليوم حاجتهم إلى الماء والهواء.. ولأن العلم هو النَفَسُ المنفوث من وحي الله، والمودع في جوف الكون وضمير الأرض والسماء، صار لزامًا أن يتلقوه باللهفة نفسها التي يتلقون بها وحي الله في قرآنه الكريم، لأن الوحيين كليهما يشيران إلى الله تعالى، ويدلان عليه.

وقلَّ مِمَّنْ كتب في الإيمان مَنْ هداه وجدانه لالتقاط ذلك النغم الجميل في موسيقى الحياة، والمتجاوب صداه بين نبض الكون، ونبض الإنسان.

وقَلَّ منهم مَنْ وفق إلى رصد هذا اللحن الفريد وتسجيله بشكل دقيق ومجسم في كل أعماله الفكرية والوجدانية كما فعل"النورسي"رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت