الصفحة 115 من 3036

فقارئ كتبه ورسائله لا يحتاج إلى كبير عناء ليلحظ الربط المحكم والشدّ الوثيق بين قلب الكون وقلب الإنسان، حتى ليكاد يحسّ من خلال أحاديثه عنهما - والاستشهاد بمعلوم صفات أحدهما على مجهول صفات الآخر - وكأن الإنسان هو الكون مصغرًا، والكون هو الإنسان مكبرًا، وبين وجدانيهما تتصادى لحون المحبة والود والتعاون والتساند، لدفع مسيرة الإيمان الكبرى على هذه الأرض نحو هدفها السامي في تقديم فروض الطاعة والعبودية والولاء - مشحونةً بالمزيد من الفهم والإدراك - للخلاق العظيم الذي يدين له كُلٌّ من الكون والإنسان بالوجود والحياة، فيقول معبرًا عن هذه الحقيقة:

"أجل لما كان الإنسان خلاصة جامعة لهذا الكون، فإن قلبه بمثابة خريطة معنوية لآلاف العوالم، إذ:"

كما أن دماغ الإنسان - الشبيه بمجمع مركزي للبث والاستقبال السلكي واللاسلكي - هو بمثابة مركز معنوي لهذا الكون، يستقبل ما في الكون من علوم وفنون ويكشف عنها، ويبثها ايضًا، فإن قلب الإنسان كذلك هو محور لما لا يحد من حقائق الكون والمظهر لها، بل هو نواتها"."

والنورسي في هذه التجربة الفريدة إنما يفتح الطريق لاحبةً لمنْ يريد سلوكها، ويرسي معالم فكر وجداني كوني النظرة، إيماني الملمح، يمكن لكل أديب أو متأدب أو صاحب قلم أن ينهل منه، ويحذو حذوه، وينسج على منواله، في إثراء"أدب الإيمان"ومنحه الأبعاد الكونية التي تعمق رسوخ قدمه، وترفع من علو صرحه، في هذا العصر الذي غدا الكون فيه موضع نظر الإنسان، ومحل فكره، وحقل علمه، ومسار سفره، وساحة تجاربه؛ في طي الأزمان واختصار المسافات.

وقد استطاع النورسي أن يوظف بمهارة فائقة الملاحم الكونية، ودلالاتها الرمزية في تربية"الوجدان الإيماني"الذي يرى في هذه العلوم وتطبيقاتها بعض ما أومأ إليه الدين وأشار إليه منذ أيامه الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت