غير أن للنورسي موقفًا من الحسية يخالف به مَنْ يرى أنها انتكاسة في النفس الإنسانية لا ينبغي للإنسان أن يهبط إليها، لأن الحس والشعور مترشحان عن الحياة بل هما خلاصتها، فليس إماتة الحواس وتعطيل وظيفتها هي طريق الإنسان للارتقاء الروحي كما يرى البعض، بل على العكس من ذلك يرى: أن الحسّ الإنساني بأذواقه وألطافه ومسرّاته وآلامه، إذا وعى وأدرك، وذاق وتألق، وتهذب ورهف وَثقُفَ، صار سبيل الإنسان إلى المعارف الإلهية وطريقه إلى الارتقاءات القلبية والروحية، لأن ما من لطيفة من لطائف الإنسان أو جارحة من جوارحه، إلاّ ويمكن أن تصبح طريقه إلى الله تعالى إذا أحسن توظيفها في الغاية المرجوة.
فالسمع والبصر والفؤاد والعقل، كل هؤلاء موضع الخطاب القرآني، وهي مناط التكليف في الدنيا والمسؤولية في الآخرة.
فالإسلام أو بالأحرى حضارة الإسلام إنما هي وحدة واحدة تبدأ بالعقيدة وتنتهي إليها، فالروح والعقل والحس، يتداخل بعضها في بعض وتمشي جميعها جنبًا إلى جنب في كافة مراحل تطورها، لذلك كانت الآخرة - بجنتها ونارها - بناء حيّ تتعذب فيها حواس الإنسان أو تتنعم، كما أن غالبية معجزات الأنبياء عليهم السلام معجزات حسيّة تتحدى أسماع الناس وأبصارهم.
لأن النبي أو الرسول إنما يتعامل في إتيانه بالمعجزة مع مادة الكون المشاهدة والمحسوسة ففي خرقه لبعض النواميس والسنن الكونية ساعةَ الحاجة إليها ليس أمرًا مستغربًا من إنسان هو جزء مهم من هذه النواميس والسنن ولكنه ليس حبيسها ولا سجينها، غير أن الكون هو سجين نواميسه، وحبيس سننه.
فالنبي أو الرسول عليهما السلام قد يكسر بمعجزاته جانبًا من هذه الأغلال والقيود التي تكبل الكون، فيستجيب لهذا الكسر أو الخرق - شأن الإنسان الحبيس - استرواحًا وتخفيفًا من بعض قيوده الثقال ولو للحظة واحدة.