الصفحة 112 من 3036

فمن المعلوم أن"الدين"هو الذي يقود مسيرة الحضارات في فجر تاريخها الصادق، ويهيمن عليها، ويعمر ضميرها، ويرسي قواعد سلوكياتها وأخلاقياتها، حتى إذا قويت واشتد ساعدها وعلا ضحاها ودلفت إلى ظهيرة عمرها جاء دور العقل لينشر سلطانه فوقها، ويستحكم فيها، ويتحكم بها، وربما صار وثنًا يتعبد له الناس من دون الله تعالى.. ثم تمضي في سيرها حتى تميل شمسها نحو الزوال ثم الغروب، فإذا بالعقل يتخلى عن عرشه، ويتركه للحس ليتربع فوقه ويصبح هذا الحسّ سيد العقل وسلطانه بعد أن كان خادمًا له.

ولا يعني هذا التقسيم الاعتباري لأدوار الحضارات أن هناك حواجز وفواصل ظاهرة وحادة بين دور ودور. فقد تتداخل الأدوار بعضها ببعض، غير أن طابعًا عامًا يظل يميز الأدوار، ويدمغها بشارته، ويعطي كل جزء زمني منها صفته الغالبة عليه.

والدور الحسي الذي يطغي اليوم على حضارة الغرب، قد فجّر حسيّات الإنسان إلى آخر مداها وطاقاتها، وفجّر مع ذلك حسَّ الأرض والسماء، وأثار خفايا الأرض بترابها ومائها وهوائها، فإذا بها تتزلزل وتلقي بأثقالها وأسرارها بين يديه ليبتني من عناصرها مدنيته الحسيّة الباردة المفتقرة إلى دفءِ الروح وشفافية الدين والإيمان.

وقد واكب هذه الحسية أدبها وفنها اللذان يزينان للإنسان الاستغراق حتى آخر حبّة حسٍِّ فيه في شهواته وملذاته.. ولعلَّ ثمار هذه الحسيّة ترجع في جذورها إلى ذلك التصور الحسّي الشاذ للألوهية والربوبية في العقيدة التي يدين بها أبناؤها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت