لذا فهو يرى أن"أوروبة"التي تمثل قمة حضارة اليوم يمكن أن تخفي في رحمها جنين الإسلام إذا هي فهمته واستوعبته وان هذه الرحم ستنشق عن هذا الوليد يومًا ما ليدرج في أحضان الغرب، وينمو ويكبر ويبلغ أشده.
فإذا كانت"أوروبة"- في إبّان حضارتنا - قد آنست في الشرق نارًا عظيمة فقالت لأهلها:
"امكثوا إني آنست نارًا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدىً"فلما جاءتها قبست من نورها أقباسًا وذهبت بهذه الأقباس فأنارت بها عقول أذكياء أبنائها، فإذا بهذه القبسة الحضارية تنمو وتكبر وتبلغ من النضج ما يشاء الله لها أن تبلغ.. ثم تعود إلينا من أبوابنا المشرعة وتتعرض لنا بسحرها ومفاتنها.. فإذا بنا نعرف منها وننكر، فهي قريبة إلى نفوسنا في بعض جوانبها، وغريبة بعيدة عنا في بعضها الآخر.. نعرف منها روحها المغامر الطلعة، لأنه روحنا المفقود.. ونعرف منها شغفها بالمجهول، وشوقها إلى كشف الأستار عن المعارف والعلوم لأنه شغفنا وشوقنا الموؤد.. ونعرف منها علومها في الحياة والفلك والطب والنبات والحيوان، لأن جذور هذه العلوم ممتدة في عقول الأفذاذ من علماء حضارتنا.. ولكننا ننكر منها عقلها المغرور الجحود، وقلبها المتفسق، وجسدها الذي يغلي بالحسيات، وعقيدتها في التجسيد والتثليث.
تُرَى أيمكن أن يعيد التاريخ نفسه، وتعود"أوروبة"الغارقة في وثنياتها من جديد تبحث في"إسلامنا"عن صفاء العقيدة في التوحيد والتنزيه..؟! هذا ما يؤمله"النورسي"، وهو يرى - أي النورسي - في خبر نزول عيسى عليه السلام إلى الأرض في آخر الزمان، وأنه يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، إشارة إلى عودة المسيحية إلى أصول عقيدتها في التوحيد، جوهر الإسلام، وجوهر كل الأديان التي سبقته، وبذلك تستأنف حضارة التوحيد نهوضها من جديد.