الصفحة 110 من 3036

فالتاريخ في مفهوم"النورسي"يصنعه رجل الساعة، وبطل الموقف الذي يمده القدر بقوة خفية يستطيع بها أن يلوي عنق الأحداث ويسخرها في خدمة هدفه وغايته.

وللنورسي قول في"القوة"قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى، ولكن عندما نتأمله ونتعمق فيه، ونسبر غوره، نجده من أصدق أقواله، وأكثرها انطباقًا على الحق والحقيقة، وله عليه شواهد من التاريخ الإسلامي خاصة، والتاريخ الإنساني عامة، فهو يرى أن القوى سواء كانت قوىً عقلية أو نفسية أو جسدية أو علمية مادية، حتى لو بدت غير أخلاقية، فأنها تكتسب بعض خواص الحق، فمهما كانت استعمالاتها، وفي أي سبيل كان تسخيرها فهي تنطوي على خاصية من خواص الحق، وبهذه الخاصية تنتصر ولو كانت بيد الباطل الغشوم، والى هذا السر يرجع انتصار الباطل القوي على الحق الضعيف.

ورغم علمنا أن الحق أو الحقيقة - أية حقيقة - قادرة على الدفاع عن نفسها، وشق طريقها إلى الحياة مهما كانت السدود والعوائق، إلاّ أننا للأسف الشديد قد نشكل بعض هذه العوائق دون قصد مِنّا.

فهناك فواصل حادة بين الحق الذي نؤمن به، ونرغب بالانتصار له، وبين قصور الجهد الذي نقدمه في سبيله.. بين القمة الشامخة التي يقف فوقها، وبين ضعف الأفكار التي نحاول أن نقدمها للآخرين من خلالها.. بين أن نعتبره موقفًا سياسيًا محليًا نخوض به مضامير السياسة، وبين أن نعتقده موقفًا حضاريًا عالميًا نقارع به أفكار العالم وحضاراته التي تغزونا وتريد تجميد حضارتنا وتحجيم أثرها وتأثيرها فينا.

فالنورسي منذ قيامه مرةً أخرى في إهاب"سعيد الجديد"وهو يرى ان قضية الإسلام الملحة ليست قضية صراع سياسي يمكن أن يغلب فيه، أو أن يكون مغلوبًا، إنما هو صراع حضاري رهيب لا يمكن أن يُغْلَبَ فيه إذا عرفه العالم على حقيقته واعتقده وآمن به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت