الصفحة 109 من 3036

وعلى ضوء هذه المقدمات يفسر"النورسي"الكثير من وقائع التاريخ الإسلامي، ويكشف عن أسبابها وأسرارها التي أفادت المسلمين رغم ما يبدو في ظاهر أمرها من كونها وقائع مأساوية كان ينبغي لتاريخ المسلمين أن يتنزه عنها، حتى إنه ليرى؛ أن ما نجم من مذاهب الابتداع لا تخلو هي الأخرى - رغم باطلها - من حبة حق أو حبات، أو جزئية منه أو جزئيات، وبهذه الحبة أو الجزئية اعتقدها أصحابها، وها أنذا أنقل إليكم ما يقوله بهذا الصدد مخاطبًا طالب الحقيقة والباحث عنها:

"يا طالب الحقيقة:"

إن الشريعة تنظر إلى الماضي والى المصيبة غير نظرتها إلى المستقبل والى المعصية.. إذ تنظر إلى الماضي وما وقع فيه من المصائب بنظر القدر الإلهي، فالقول هنا قول الجبرية.

أما المستقبل والمعاصي فتنظر إليهما بنظر التكليف الإلهي، فالقول هنا قول المعتزلة.

وهكذا تتصالح الجبرية والمعتزلة.

ففي هذه المذاهب الباطلة تندرج حبة من حقيقة لها محلها الخاص بها، وينشأ الباطل عن تعميمها.."."

والقدر - مهما اختلفت المفاهيم حوله - فهو ملح الحياة، فمن دونه تفقد الحياة طيب مذاقها في أفواه البشر، ومن غير القدر ومفاجآته، تستوي أيام الحياة وتتشابه أزمانها، ما كان منها، وما هو كائن، وما سيكون، ويصبح الماضي والحاضر والمستقبل لونًا حياتيًا واحدًا مملًا، وصورة للعيش واحدة مضجرة، وبذلك يفقد الإنسان اهتمامه بالزمن، وتضيع منه لذة معاناة التوجس والترقب لما يمكن أن يأتي به المستقبل من أحداث السلب أو الإيجاب.

وهذا"الملح الغيبي"هو الذي يمنع بحر الحياة من أن يتوقف ويأسن ويتعفن، فلولا الأقدار لسكنت الحياة سكون الموت، وهمدت همود القبور، فمن صراع أقدار البشر واحتكاك بعضها ببعض، تتجدد شرارات الحياة، وتتوهج المجتمعات، وتنهض الدول، وتقوم الحضارات، ويجري التاريخ البشري نحو أهدافه وغاياته المرسومة والمقدرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت