وبهذا صار"الإنسان"آية كبرى من آيات الله تعالى، لأنه يعكس أضواء هذه الأسماء على ما يحيط به من الموجودات والأناسي، فيصبح كل إنسان مرآة أخيه، يبصر فيها نفسه، كما ورد في الحديث الشريف:"المؤمن مرآة أخيه"ووجب أن نحصي أسماء الله الحسنى ونستقصي فعلها وتأثيرها في أنفسنا لنتخلق بأخلاقها، ونحيا بصفاتها ومعانيها، ولعل إلى هذا الإشارة في قوله تعالى: ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون) .
وحين نبصر، ونتعمق بأبصارنا في النفس الإنسانية، نكتشف دواعي القلق على الإنسان في تقلب قلبه من النقيض إلى النقيض. فقد يكون على بساط الجمال، وفي حضرة أنسه، فإذا به يتحول بين عشية وضحاها عن ذلك ليقع في قبضة الجلال وتحت هيبته وسطوته. فاستغراق النفس بالجمال لا يعني خلاصها نهائيًا من جرثومتها الأمارة بالسوء. كما أن طغيان هذه النفس، وانغمارها بالموبقات لا يعني خلوها من أصل التقوى والصلاح.
فلربما استقام المنحرف، وانحرف المستقيم، والى هذا السر يشير - صلى الله عليه وسلم - بدعائه:"اللّهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي عل دينك".
فالنقائض والأضداد من سنن الله في موجوداته - كما يرى النورسي - فالنهار يخفي في ضميره سواد ليل بهيم، والليل يطوي تحت جناحيه إشراقات الضحى وأضواء الظهيرة، وصقيع الشتاء يحتفظ في جوفه ببذرة الربيع، وكل ضعيف يطوي في أحشائه نطفة قوته، وكل قوي تستتر فيه نبتة ضعفه.
فالنورسي يهيب بالضعفاء ألاّ يستسلموا لضعفهم، ففي دواخل ضعفهم قوة، عليهم أن يكتشفوها وينموها، ويحذر الأقوياء من الغرور بقوتهم، ففي قوتهم عوامل ضعفهم التي ستوردهم موارد الهلاك في يوم ما، وما نظنه شرًا بقصر أنظارنا قد ينطوي على خير كثير لا نبصره، وقد تكشف عنه الأيام في قابل الزمان.