مع ذلك محيط بها، ومناره محيط بها وحائل دونها، ومن المعلوم أن الخندق المدير يمنع من الوصول إلى المعقل، فكيف الفرات الجاري؟! فقطعت خيله ألي اللجة وافتتحها عنوة على الفور لم تمنع عليهم ساعة من النهار، وهلك بعض من كان فيها قتلًا وبعض غرقًا. وقد ذكرت ذلك في القصيدة فقلت:
ويومَ عانةَ لما أن غدا بُلك ... في أمره لبك من شدّةِ الرَّبِ
إذ كان أصحابُه الأشقَون يومئذٍ ... لنار فَيلِقه المنصور كالحَطَبِ
شابوا الفراتَ بقانٍ من دمائهم ... حتى بدا فيه لون من دم سربِ
فليتأمل السامع المنصف ما أوردناه ولينظر فيما شرحناه وليعارض بعض هذه الأمور ببعض، وليقس ببعضها بعضا ليعرف فضله على من تقدم من الملوك في عزه وسلطانه وكثرة جنده وأعوانه، وطول يده العالية إلى تناول كلمراد وبلوغ كل مرام فلو لم يستدل تفضيله عليهم إلا بما ذكرناه آنفًا من هذه الأقسام لكان في ذلك مقنع وقد نظم في هذه المعاني شيئًا:
أين الذي لم يحتمل عن جاره ... ما جره يومًا000المسيرُ
حتى تحمله جشيش دونه ... كرما وقصر0000المنذرُ
ممن يجير دياره ورباعه ... ما كان00000وما لا يحصرُ
أم أين من سأل الأجرة عروة ... للطيمة كانت تحاط وتحفرُ
فأباحها البراض نهبًا قومه ... بكرًا000الفجر الأكبرُ
وأذاق عروةَ حتفه بمهندٍ ... من حدَّه ماءُ المنية يقطرُ
فتوقفت في ذاك بين كنانة ... وهوازن نيران حربٍ تسعرُ