وكتابته هو الرسول (لاحظ كلمة «مصادره» من كلام الجابري!) والحديث يقول: (أول ماخلق الله القلم قال لهاكتب ... ) ، وابن عباس لم يقل، ولا الرسول صلى الله عليه وسلم، أن أول شيء خلقه الله هو القلم الهرمسي أو العقل الهرمسي المؤله، وإنما قصد الرسول -والوحي القرآني من قبله- معنى آخر مختلف تماما عمّا يوحي به الطروادي المغرور، وهو انه لما خلق الله القلم قال له: اكتب مقادير السموات والأرض، فشأنه الكتابة وسطر المقادير وليس شأنه الخلق والتدبير، وهو ليس خالقا ولا عقلا إلهيا هرمسيا، وإنما خادما كاتبا للمقادير السماوية والأرضية وسنن الكون المسخر، مقادير كل شيء، وهذا مرتبط مع بقية تعاليم الإسلام العقدية والخلقية التي تدعمها وسطية القرآن التي أسقطت الوثنية عن الكواكب والسنن والعقول البشرية فجعلتها لا معبودة ولا مهملة كما هي في الحقيقة، وهذا شيء غيره في فلسفة اليونان التي جعلت من الكواكب آلهة حرب وحب وعشق وصراع وسرقة علم! وأما نتاج حضارة الإسلام الوسطية فقد منحت العالم والى الآن ما لم تمنحه فلسفة التجريد اليونانية الهائمة، بل إن علماء الإسلام نقدوا نظريات يونانية وقدموا نقدهم للعالم هدية علمية، ومنها نظرية بطليموس التي يقول الجابري إن القرآن تأثر بها (انظر من أقسامه (2/ 259 و190 - 191 - 243 - و3/ 166 (، وسيأتي الرد عليها في المقال التالي ان شاء الحق.
لمينفرد الجابري بهذه الفرية فقد رمى «طيب تيزيني» القرآن بتأثير الأرسطية اليونانيةعلى نصوصه-وتيزيني رمى الرسول بأنه كان متبعا لأوامر تنظيم دولي انطلق من روما كما لفق ذلك تلفيقا في كتابه «مقدمات أولية في الإسلام المحمدي» -وقد ضرب مثلا على ذلك بقوله تعالى «وجعلناكم أمة وسطا» ، فقال الوسط هنا مأخوذ من نظرية الوسط أو الأوساط الأرسطية خصوصا والإغريقية على وجه العموم (انظر كتابه «مقدمات أولية» ص376) .
رحمالله عبد الرحمن بدوي عندما سخر من المستشرقين ممن يقرأون القرآن قراءة يهودية أومسيحية، فقال لهم انه يمكن أيضا ليوناني أن يقول إن القرآن استعار مفهوم الفضيلة"كوسط بين طرفين"من أرسطو، فالله يقول في القرآن: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا» (دفاع عن القرآن ص 101) ولقد فضح الدكتور عبد الرحمن بدوي مزاعم «الاقتباسات» هذه في كتابه «دفاع عن القرآن"، وبصورة مفصلة رد فيها على المستشرقين اليهود و المستشرقين المسيحيين."