اننا نشاهد اليوم امور يصنعها أو يعلبها (من: التعليب) الإنسان في العالم الحديث تتكون مادتها وصورها بصورة اوتوماتيكية بحيث تنتقل السلعة المصممة من مرحلة الى اخرى، وكأنها تعمل وحدها! (مثل عمليات الإنتاج السريعة والحديثة في المصانع الضخمة والصغيرة لكافة أنواع السلع) ،، فهل هذا ينفي حقيقة وجود مهندس وراء هذه السيرورة التكنولوجية وهذه العملية الإنتاجية؟ او وجود مصمم لهذه الآلية الدقيقة والعجيبة؟
هذا مثال مشاهد ومنظور ويعلمه كل احد اليوم-ولله المثل الأعلى-
والله اعلى من ذلك وأعلم وأقدر وأحكم والطف"صنع الله الذي اتقن كل شيء انه خبير بما تفعلون" (سورة النمل، الآية 88) وهو:"العليم الخبير" (سورة التحريم، الآية 3) ،"وهو اللطيف الخبير" (سورة الملك، الآية14) "عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير" (سورة الأنعام، الآية 73) "وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير" (سورة الأنعام، الآية18) "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" (سورة الملك، الآية 14) "ان ربي لطيف لمايشاء انه هو العليم الحكيم" (سورة يوسف، الآية 100) "ألم ترى أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ان الله لطيف خبير" (سورة الحج، الآية 63) "يابني انها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة اوفي السموات او في الأرض يأت بها الله ان الله لطيف خبير" (سورة لقمان، الآية 16)
ولو تمعن العظم في لفظة"ثم"، الواردة في الآيات، التي تدل على التراخي والترتيب وقد ذكرت بين مرحلة النطفة والعلقة ولم تذكر بين مرحلة العلقة والمضغة، وانما ذكر"واو"العطف بينهما والذي يدل على الاشتراك والتعقيب والتدريج؛ لعلم ان"ثم"المكررة مرتين و"واو العطف"تشير الى نقلة نوعية هائلة بين المراحل، وذلك وفق معطيات علمية تلفت الانتباه الى وجوب دراسة هذه المراحل المتراخية والمتسارعة والمتراكبة وازمنتها الخاصة والبحث عن اسبابها وعللها، وعدم الاكتفاء بالنظر اليها كمعجزة ربانية ولطيفة قيومية فالايمان يدفع الى العلم والعمل وتفحص ظواهر الكون التي أشارت آيات القرآن الى انها مسخرة للإنسان. وتاريخ الحضارة الإسلامية العلمي شاهد على ان اهل الاسلام فهموا اشارات القرآن وانتجوا واكتشفوا وصنعوا مناهج وأدوات علمية ومادية وقدموا للعالم منهج تجريبي للفكر والنظر والعمل والكشف لولاه لعاش الشرق والغرب في ظلمة جاهليات، من خرافات وتخرصات.
وفي الحقيقة لا أجد في نص الدكتور العظم الا محاولة افتعال معركة مبيتة ومتعمدة مع النص القرآني، والا فإن القارئ للقرآن يجد المعطيات مؤكدة ومقسم عليها ايضا وحاثة على الدراسة والاستقصاء لمعرفة كيفية بدء الخلق كما ان الآيات الاخرى الواردة في نفس السياق تساعد على الفهم وزيادة الوعي العلمي فخلق نطفة الانسان من سلالة من طين -مثلا- يؤكد صلة الانسان بعناصر الارض حتى في مراحل نمو الجنين، كما ان خلقه من نطفتي الرجل والمرأة لا من الذكر وحده انما هي حقيقة سماها القرآن باسمها"إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ"، والمدهش ان اسم السورة التي ورد فيها اللفط هو"سورة الإنسان!!"والآية هي رقم 2 منها كما أن آية العلق من سورة العلق هي الآية الثانية منها! فلا مكان في الامشاج لدم حيض يتخلق منه الجنين كما تخيل ارسطو والهنود او"قزم"! المخيال الغربي لعلماء القرون قبل عام 1775م. ان الآيات السابقة التي ادخلها صادق جلال العظم في المدونات الاسطورية الارضية انما هي من علوم القيومية الالهية. الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (سورة الملك: 14)
علينا الآن أن ننتقل الي التحدي الآخر من سورة العلق والوعد فيها!