لقد تحدث روسو في كتابه الاعترافات عن سخافاته التي ارتكبها وجرائمه التي اقترفها ليجعل منها قدوة للإنسان الأوربي وهو نفسه صاحب"العقد الاجتماعي"وهو نفسه الذي يرد على فولتير مثبتًا العناية الإلهية ومدافعًا عن الإيمان، وهو نفسه الذي يصفه مؤرخو الفلسفة الغربية بأنه كان سافلًا لصًا غادرًا خائنًا كاذبًا وكان مجردًا من جميع الفضائل وكان يرتكب الزنا مع امرأة عجوز ظل لفترة طويلة يخاطبها على أنها أمه، وكان هو وخادمه يضاجعانها، ولما مات الخادم حزن عليه كثيرًا، ولكن مما خفف عنه أنه علم أنه سيحصل على ثيابه. وهكذا يعيش الإنسان الغربي ليتعلم أنه لا صلة بين العلم والأخلاق، وقد أنجب روسو خمسة أطفال أرسلهم جميعًا إلى دور اللقطاء، أفلا ترون أن ما يحصل اليوم في العالم من ظلم ونهب وقتل وعدوان هو شيءٌ طبيعي من نخبةٍ من اللقطاء تمسك بزمام العالم؟
أما تشيلني فقد قال: رزقت بطفلة واحدة على ما أذكر، وبقدر ما تسعفني الذاكرة، وقد خصص لها مبلغًا من المال ووكل بها إلى خالتها ولم يرها بعد ذلك أبدًا. لا شك أنه كان أرحم من روسو!!.
وأما فرنسيس بيكون الذي يوصف من جهة بأنه مؤسس المنهج التجريبي وأعظم وأوسع وأبلغ الفلاسفة، والابن البار لعصر النهضة، والمفكر الغزير العلم كما يقول عنه برينتون وأعظم عقل في العصور الحديثة كما يقول عنه ول ديورانت ، هو نفسه الذي يوصف من جهة ثانية بأنه لم يكن رجلًا فاضلًا كريم النفس، وإنما كان خائنًا غادرًا مختلسًا انتهازيًا منعدم الضمير كما وصفه الفلاسفة الذين مدحوه قبل قليل وكان ليوناردو دافنشي وإيرازموس أولاد زنا، أما ديكارت الذي يعد أبو الفلسفة الحديثة، وكان يعد من الفلاسفة المتدينين، فلم يتزوج، لكنه أبدًا لم يكن كأمثال علمائنا العزاب الذين آثروا العلم على الزواج ، لأنه أنجب ابنة من سفاح، وكان ريتشارد كارليل صاحب كتاب الأبطال يعيش مع امرأة بدون زواج وأنجبا أربعة أطفال سفاحيين. وأما أوجست كونت فقد اقترن بفتاة تشتغل بالبغاء، وقد وقعا في ضائقة مالية واقترحت عليه أن تسهم في معيشتهما عن طريق مهنتها القديمة ولكنه رفض ذلك، وهذا من المواقف التي تحمد له بين أصحابه!! .
أما شوبنهاور [ت:1860 م] فقد كان مصابًا بنوع من الهوس والمرض النفسي وكان شهوانيًا داعرًا، ولم يرتبط بأي امرأة عن طريق زواج شريف بل في علاقات مبتذلة، وكان شديد البخل، ويستخدم مراسلين يتصيدون له الشواهد على شهرته، وكان على خلاف مع أمه بسبب علاقاتها الشاذة مع الرجال بعد وفاة أبيه .
أما نيتشة [ت:1900 م] صاحب إعلان"موت الإله"فقد أصابه هذيان وجنون العظمة، لأنه قضى حياته داعيًا إلى الإنسان الأعلى وأخلاق القوة، وكان يحلم بالقضاء على الضعفاء والمعوقين وإقصائهم من الوجود، - وقد حقق له هذه الرغبة هتلر وموسوليني وستالين- ومثله الأعلى دائمًا إنسان متجرد تمامًا من الرحمة متحجر القلب لا يعرف الشفقة. وكان من عدالة الله عز وجل أن قضى نيتشه السنوات العشر الأخيرة من حياته مجنونًا بحاجة إلى الرثاء والشفقة والرحمة، هذه الأخلاق التي رفضها طوال حياته .
والآن: هؤلاء هم نجوم الغرب، وقادته العظماء، ومثله العليا، يقرأ الغربي سيرهم المدنسة بوحل الرذيلة، ويبحث في تاريخهم فلا يجده إلا ملطخًا بالعار، ثم يتابع إعلامه الصاخب فلا يجد فيه بشأن هؤلاء إلا الإعلاء والتمجيد والفخار، فتنقلب في مناظيره موازين القيم فتصبح:
الخيانة والغدر طريق المجد ..
والانحلال والتهتك طريق النجومية ..
والإلحاد والزندقة طريق العظمة …
وهكذا يعيش الإنسان الغربي اليوم يفصل بين الأخلاق والحضارة، وبين القيم والرقي، وفي النهاية يفصل بين الإنسانية والإنسان، وعندها يصبح الإنسان ذئبًا، ثعلبًا، ثعبانًا،ويصعب أن تجد"الإنسان الإنسان". أو يصبح الإنسان شيئًا، سلعة، وثنًا، نمطًا، آلة، ويندر أن تجد"الإنسان الإنسان". كل ذلك يأتي من وراء النجومية الكاذبة، والرموزية الخادعة، والنخبوية الفارغة، وفي النهاية"إذا كان رب البيت بالطبل قارعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص".
(يُتْبَعُ)